Ahmad Curabi Zacim Muftara Calayhi
أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه
Genres
1
ولقد أضاف الخديو إلى أخطائه خطأ جديدا بقبوله هذا الوضع، فمن حقه وحده اختيار رئيس وزرائه، ولكنه خطا حتى هذه الخطوة بإشارة القنصلين، فلقد أوهماه أن في هذا خيرا له، فبه يخلو من التبعة ويلقيها على عاتق النواب والزعماء ... ولكنهما كانا في الواقع يريدان أن يوسعا مسافة الخلاف بين الخديو ونواب البلاد، ومن السهل عليهما أن يوحيا إليه على لسان أعوانهما بعد ذلك أنه أصبح وليس له من الأمر شيء.
على أن مالت وكلفن وأشياعهما ما لبثوا أن راحوا يذيعون المفتريات في مصر وفي أوربا عن الوزارة، ويرمونها بكل أباطيل الاتهام، فهي وزارة عسكرية لا تعرف سياسة أو تنظر في عاقبة أمر من الأمور، وإنما قوام أعمالها العنف والثورة، وهي وزارة لا تحسب لأي سلطة غيرها حسابا، فليس للخديو وجود فعلي بإزائها، وليس للأجانب على ما لهم من ديون في مصر حق أو شبه حق إلى غير ذلك من اللغو والإفك ...
أما عن عرابي فقد خرج بأوفر نصيب من التهم الباطلة، ومن هذه التهم ما نسبته إليه جريدة التيمس من أنه تهدد شريفا، وأنه شهر سيفه في وجه سلطان وهدده بتيتيم أطفاله في صدد الخلاف على مسألة لائحة المجلس، ولقد كان مالت من مروجي هذه الإشاعة ومن المتمسكين بها، بل لقد ذهب مالت إلى أكثر من هذا فأثبت في يومياته كذلك أن الخديو ما قبل استقالة شريف إلا تحت تأثير تهديد لا يقل عن هذا ...
ويذكر بلنت أنه يرجح أن الخديو هو مصدر هذه الفرية لما كان يبدو منه يومئذ من بالغ الحقد على الوزارة، وقد أصبح لهذه الفرية خطرها حين أرسل مراسل روتر إلى أوربا يزعم ضغط العسكريين على شريف.
قال بلنت: «ومع ما يبدو من سخف هذه القصة فقد غضب منها سلطان غضبا شديدا، ولما كنت يومئذ معروفا لدى النواب بأني صديقهم طلب إلي سلطان لقاءه، وسألني أن أحمل إلى مالت إنكاره القصة كلها إنكارا تاما، وعلى ذلك توجهت إلى بيت سلطان باشا حيث جمع عددا كبيرا من النواب ومن علية القوم ومن بين هؤلاء المفتي الأكبر العباسي وعبد السلام المويلحي بك وأحمد السيوفي بك وأحمد محمود أفندي وهمام حمادي أفندي وشديد بطرس أحد كبار نواب الأقباط. وقد أنكر هؤلاء جميعا مع سلطان أنهم عملوا تحت أي إكراه، وتكلم سلطان في غضب عن سخف القصة فيما يتصل به قائلا: إن أحمد عرابي بمثابة ابن لي، وهو يعرف ما هو من حقي وما هو من حقه، فمكاني في البرلمان ومكانه في وزارة الحربية. وجدير به أن يطلب نصحي لا أن يجرؤ على أن ينصحني فيما يعنيني من الأمور، وأما عن شهره السيف في حضوري فإنه لا يفعل ذلك إلا تلقاء عدو يهاجمني، وهذه قصص لا يصدقها من يعرفنا كلينا، وإنها لباطلة كل البطلان، وتستطيع أن تأخذ على اليقين أن أقل عضو هنا ممن يمثلون الشعب أحسن حكما على مطالبه من أكبر جندي. إننا نحترم عرابيا لأننا نعرفه وطنيا ورجلا ذا فطنة سياسية لا لأنه جندي.
وقد أثبت كلمات سلطان باشا هذه في حينها، وقد اشتكى إلي هذا الشيخ من سياسة مالت وتعضيده مخترعي الأباطيل، وطلب مني أن أطلعه على الحقائق وأن أبرقها إلى جلادستون وأذيعها في الصحف الأوروبية، وقد فعلت ذلك على خير ما يدخل في وسعي، فأرسلت نصا كاملا منها إلى «التيمس»، ومع ذلك فإنها على ما أذكر لم تنشره لسبب ما، وكذلك أرسلت تلغرافا بالمعنى نفسه إلى مستر جلادستون، ثم كتبت إليه كتابا مطولا أشرح فيه الموقف كله.
وذهبت من فوري إلى مالت وناقشته في شدة، ولكنه أصر على صدق قصته التي استقاها كما أخبرني أول الأمر من سلطان نفسه، والتي عاد يقول إنه استمدها ممن يمكن الاعتماد عليه، ولما ألححت عليه أن أعرف من هو المصدر غضب وقال إنه ليس لي من حق أن أستجوبه على هذه الصورة.»
هذا هو كلام بلنت عن هذه الفرية، وما أجمل ما وصف به سلطان عرابيا فهو لا يحترمه لأنه جندي، ولكنه يوقره لوطنيته ولمقدرته السياسية، ومثل هذا الكلام لا يصدر عن مثل سلطان عن خوف أو تملق، فقد كان أكبر من أن يخاف أو يتملق، وهو بطبعه شديد الكبر كثير المباهاة بجاهه والاعتزاز بثروته، بل إن صدور هذا الكلام عن رجل هذه صفاته إنما يزيد في قيمته، ويجعل منه وثيقة خطيرة ندعو الذين يجهلون حقيقة عرابي إلى قراءتها في روية وحسن طوية ...
ويذكر بلنت أن التيمس لم تنشر تكذيبه لسبب ما، والأمر واضح لا يحتاج إلى طويل شرح، فالتيمس وأمثالها من الصحف الإنجليزية تخدم قضية الاستعمار أبدا، وهي خير من يدرك نيات الساسة في بلدها، وأول من يطلع على حقائق الأمور، فلم تكن تجهل يومئذ ما كانت تبيته إنجلترا لقضية الأحرار في مصر، بل وما كانت تنتويه السياسة الإنجليزية العليا من الاستيلاء على مصر قبل أن تستولي عليها، ولذلك فما كانت لتنشر رأيا مثل هذا الرأي يأتي على لسان رجل مثل بلنت، فيكون به من الإنجليز شاهدا من أنفسهم عليهم ... •••
Unknown page