وفي العهد الستاليني كان العلماء السوفييت يتعرضون للاضطهاد في مجالات معينة، وذلك حين يفسر البعض أعمالهم بأنها متعارضة مع النظرية الفلسفية التي يقوم عليها نظام الحكم. وكان أشهر هذه المجالات: مجال البيولوجيا، الذي يسيطر عليه عالم ضيق الأفق، يتسم بقدر غير قليل من النفاق هو «ليسنكو»، وعلى يد «ليسنكو» هذا لقي عدد كبير من العلماء مصيرا أليما، وأوقف العمل في أبحاث كثيرة؛ لأن أحكامه المبتسرة كانت تعد الكلمة الأخيرة في ذلك الميدان. وكان الخلط المؤسف بين العقيدة السياسية وبين البحث العلمي سببا في الحجر على حرية علماء لم يخطر ببالهم أن يخونوا تلك العقيدة، ولم يقبلوا أن يخدعوا أنفسهم في أبحاثهم.
وأخيرا، فإن ظاهرة الاضطهاد السياسي لحرية العلماء ظهرت واضحة في الولايات المتحدة في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية بوجه خاص، حين واجه العلماء الأمريكيون أزمة ضمير عنيفة بعد أن ألقيت على هيروشيما ونجازاكي أول قنبلتين ذريتين، فقد كان هؤلاء العلماء يظنون - خلال فترة الإعداد لهذا الاختراع القاتل - أنهم يخدمون قضية الحرية ببحوثهم. ولكنهم أفاقوا على ذلك الصدى المفجع الذي أحدثه انفجار القنبلتين في ضمير كل إنسان شريف، وتبين لهم أن اختراعا كهذا يمكن أن يكون وسيلة لاستعباد البشرية كلها، فضلا عما أحدثه بالفعل من كوارث لم يشهد العالم لها مثيلا في المدينتين المنكوبتين، وأدرك بعيدو النظر منهم أن هذه ليست إلا المقدمة، وأن السلاح الجديد يمكن تطويره بحيث تصل قوته التدميرية إلى أضعاف ما كانت عليه في البداية، وأن المدينتين اليابانيتين ليستا إلا حقل تجارب، وأن الهدف الحقيقي من التفجير المروع كان إرهاب العالم، ولا سيما البلاد ذات الأيديولوجيات المخالفة، وعندما دارت هذه المعاني كلها في أذهان العلماء أدت بهم إلى مراجعة شاملة لموقفهم: فمنهم من آثر أن يقف موقفا سلبيا، وانسحب من أي عمل علمي مرتبط بإنتاج أسلحة الدمار الشامل، ومنهم من وقف يحارب إنتاج هذه الأسلحة إيجابيا، وينبه العالم إلى الأخطار المروعة المترتبة على إشعاعات التجارب النووية، والأخطار المحتملة المترتبة على تخزين الأسلحة النووية وتطويرها، ومنهم من أدت به أزمة الضمير الحاد إلى الاتصال بالطرف الآخر في الصراع العالمي، وإفشاء أسرار القنابل النووية له.
وفي هذه الفئة الأخيرة تتمثل مأساة العالم المعاصر بأجلى صورها، فهم في نظر الدولة التي ينتمون إليها خونة كشفوا للعدو عن سر أخطر سلاح كان يضمن لدولتهم التفوق على كل من عداها من الدول؛ ولذلك حق عليهم أشد العقاب (ومنهم من أعدم بالفعل كالزوجين روزنبرج). ولكنهم في نظر الإنسانية شهداء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سامية؛ إذ إنهم قد افتدوا بتضحيتهم البشرية بأسرها، وهم قد أدركوا أن امتلاك طرف واحد لهذه الأسلحة الفتاكة قد يغريه باستعمالها للتخلص نهائيا من عدوه، وإرهاب البشرية كلها بالسلاح المدمر؛ لذلك كان إفشاؤهم لأسرار ذلك السلاح قضاء منهم على فعاليته. ومن المؤكد أن عدم قيام حرب ثالثة حتى يومنا هذا راجع إلى توازن الرعب النووي بين القوتين الرئيستين في العالم، وهو التوازن الذي كان هو الهدف الوحيد لما قام به هؤلاء العلماء من «خيانة» مزعومة.
وهكذا اكتسبت مشكلة العلم والحرية الشخصية أبعادا جديدة في عالمنا المعاصر؛ إذ أصبح العالم الواعي يدرك أن أبحاثه لها نتائج تؤثر - إيجابا أو سلبا - على مستقبل البشرية، ولم يعد العالم يكتفي بأن يطالب بالوسائل الكفيلة باستمرار أبحاثه فحسب، بل أصبح يتساءل: إلام تؤدي هذه الأبحاث؟ وهل ستكون قيدا على حرية البشر، أم عاملا من عوامل تحريرهم من الفقر أو المرض أو الخوف؟ وبالاختصار فإن العالم لم يعد يكتفي بالمطالبة بحريته الشخصية وحدها، أو بحرية ممارسة البحث العلمي فحسب، بل أصبح يصر على التأكد من أن نتائج أبحاثه لن تستغل في القضاء على حريات الآخرين، أو في فرض شكل جديد من أشكال العبودية على البشر. (3) العلم التطبيقي (التكنولوجيا) والحرية الشخصية
إذا كنا قد تحدثنا في الجزء السابق عن البحث العلمي في صورته العامة، فمن الواجب أن نتذكر أن هذا البحث قد أصبح له - في عصرنا الحاضر - جانب تطبيقي عظيم الأهمية. بل إن الحدود الفاصلة بين البحث النظري والتطبيق أصبحت في وقتنا الحالي أقل حدة بكثير مما كانت عليه من قبل، وظهرت كشوف عديدة تجمع بين الطرفين معا، ويصعب على المرء أن يقرر إن كانت تمثل نتاجا لبحث نظري أم تطبيقا، وتداخل الميدانان حتى أصبح المشتغلون بأحدهما يقومون بدور إيجابي فعال في الآخر.
ومع ذلك فإن التكنولوجيا المعاصرة - وبوصفها علما تطبيقا - تتسم بطابع خاص يبرر لنا معالجتها على حدة، وهي تعمل على تغيير حياة الإنسان المعاصر على نحو لا يملك معه المرء إلا أن يفرد لتأثيراتها في مشكلة الحرية الشخصية قسما خاصا في بحث كهذا الذي نقدمه؛ ذلك لأن الحرية الشخصية قد أصبحت مشكلة شديدة التعقيد في عصر التقدم التكنولوجي السريع، ولم يعد من الممكن إصدار حكم واحد بسيط على تأثير العلم التطبيقي في حرية الشخص الإنساني. بل إن الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية لهذا التأثير قد تداخلت إلى حد تضاربت معه الآراء في هذا الميدان تضاربا شديدا.
إن كل كشف علمي كبير قد حرر الإنسان ماديا أو معنويا أو كليهما معا من عبوديته للطبيعة أو لجانب من جوانب النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه. وحسبنا أن نستعرض عددا قليلا من المجالات التطبيقية في العلم؛ لندرك العلاقة الوثيقة بين تطبيقات العلم وبين الحرية الإنسانية؛ ففي الكيمياء أمكن - بواسطة المركبات الصناعية التي تقدمت تقدما هائلا في القرن العشرين - تحرير الإنسان من قيود البيئة الطبيعية وما تقدمه من مواد، وأدى التقدم في علم البيولوجيا، وكشف تركيب المورثات (الجينات) إلى بداية التحكم في الوراثة. وكانت تجارب التلقيح الصناعي وتحسين النسل إيذانا ببداية عهد جديد لا تفرض فيه الطبيعة سلطتها المطلقة على الإنسان في هذا المجال. وفي الفيزياء كان كشف الطاقة الذرية والقدرة على استغلالها علميا إيذانا ببداية عهد جديد من التطبيقات المثمرة في مجال الاستخدام السلمي لهذه الطاقة (وإن لم يكن النجاح في هذا الميدان ميدان الإيجابي قد بلغ نفس الأهمية التي بلغها النجاح في ميدان الاستخدام التدميري لهذه الطاقة). أما غزوات الفضاء الكبرى - التي هي فخر عصرنا الحاضر - فإنها تمثل نقطة البداية في تحرر الإنسان من الأرض التي ازدحمت بأهلها، وخروجه عن ذلك الاختناق السكاني الذي يوشك أن يطبق على الناس في كوكبنا المحدود.
على أن أهم تأثيرات التكنولوجيا المعاصرة قد لا تكمن في الكشوف والمخترعات الفعلية التي توصلت إليها، بقدر ما تكمن في أساليب العمل الجديدة التي ترتبت على التقدم التكنولوجي المتلاحق، فهذه الأساليب قد أكسبت الإنسان حريات جديدة لم يكن يحلم بها من قبل. ولكنها في الوقت ذاته واجهت حريته بأخطار لم تخطر له من قبل على بال.
ولا جدال في أن أهم تغيير في أساليب العمل طرأ على الدول الصناعية المتقدمة في عصرنا الحاضر، هو التوسع الهائل في تطبيق السيبرنطيقا
Cybernetics
Unknown page