وبنفس الألفاظ تقريبا يقول جيمس جينز
James Jeans : «إن الفيزياء الجديدة (فيزياء اللاتعين) قد أظهرت على الأقل أن مشكلتي: العلية وحرية الإرادة في حاجة إلى صياغة جديدة، وعلى حين أن الفيزياء الكلاسيكية بدت كما لو كانت توصد الباب المؤدي إلى أي نوع من حرية الإرادة، فإن الفيزياء الجديدة لا تفعل ذلك، بل يبدو أنها توحي بأن الباب يمكن أن يفتح لو استطعنا أن نهتدي إلى المقبض. إن الفيزياء القديمة قد كشفت لنا عن عالم كان يبدو أقرب إلى السجن منه إلى المسكن. أما الفيزياء الجديدة فتكشف لنا عن عالم يبدو كما لو كان صالحا لأن يكون مسكنا ملائما للناس الأحرار لا مجرد مأوى للحيوانات»،
10
ويرى جينز أن مبدأ اللاتعين عند هيزنبرخ يؤدي إلى الاعتقاد بأن «مسامير العالم» قد تفككت قليلا، ودخل في جهاز العالم عنصر من «الخلخلة»، لا لأن صنعة العالم ناقصة، بل لأن كل شيء لم يكن محكوما تماما منذ البداية؛ بحيث أصبح يترك مجالا للحرية.
11
هذه الاستنتاجات المبنية على التطورات الحديثة في علم الفيزياء - والتي تستدل من هذه التطورات على وجود الحرية الإنسانية - تقع في أخطاء متعددة لا يصعب على المرء أن يتنبه إليها في وقتنا الراهن ، بعد أن انقضى عهد الحماسة المندفعة التي لازمت هذه الكشوف في أول عهدها، وأصبحنا أقدر على تأمل «أزمة» علم الفيزياء المعاصر بطريقة موضوعية. والواقع أن من حق المرء أن يتساءل عندما يصادف هذا الدفاع الحماسي عن الحرية: هل كان مكتوبا على الحرية الإنسانية أن تنتظر حتى تظهر الفيزياء الجديدة لكي تدعمها؟ وهل كان الإنسان عاجزا عن إثبات حريته طوال تاريخه السابق؟ لقد كان «منكوفسكي» على حق حين قال باستنكار: «في أيامنا هذه، اعتقد البعض أنه استخلص حجة لصالح الحرية من مفاهيم الفيزياء الحديثة. ولكن الواقع أن الحرية الإنسانية لا بد أن تكون مريضة حقا إذا بحثت عن حجج كهذه في هذا الميدان، أليس الأقرب إلى المعقول أن نتساءل، على عكس ذلك، عما إذا كانت هذه المفاهيم تبدو قريبة إلى قلوبنا ومغرية لأنها تسير - بقدر ما يمكنها - في الطريق الذي سارت فيه الحرية الإنسانية؟»
12
ولا جدال في أن قليلا من التعمق في بحث هذه الحجج يقنعنا بأنها تخلط - على نحو مؤسف - بين مستويين للظواهر: المستوى الذري من جهة، والمستوى المعتاد في حياتنا اليومية، ومن المعروف أن مشكلة الحرية لا تثار إلا على المستوى الثاني؛ لأنها تتعلق بالسلوك الإنساني في هذا العالم؛ ومن هنا كان من الخطأ أن نطبق ما نصل إليه من نتائج في مستوى الجزئيات الدقيقة على سلوكنا في العالم اليومي بأبعاده المألوفة، وحتى لو كانت اللاحتمية هي القاعدة في مجال الوجود الأصغر، فإن كل الأنساق الأكبر من ذاك يمكن أن تظل محتفظة بحتميتها حتى بالرغم من أن مكوناتها الصغرى لا تسودها الحتمية.
ولقد عبر «جان نابير» تعبيرا دقيقا عن هذا التعجل في تفسير النتائج العلمية تفسيرا فلسفيا، الاعتقاد بأن عدم إحكام البناء العلمي هو خير ضمان للحرية الإنسانية، فقال: «إن من سوء الفهم الواضح لكل ما هنالك من فكر وعقل في حتمية الموضوع أن يخشى البعض سيطرة هذه الحتمية على النفس البشرية، ويعتقد أنه لا يستطيع تجنب ذلك إلا بتهيئة الجو للحرية في الإنسان عن طريق كشف نوع من العرضية في قوانين الأشياء. ولكن الخطر الذي تتعرض له الحرية يظل موجودا عندما يجعلها المرء متوقفة على وجود لا معقولية في موضوع المعرفة؛ ذلك لأن هذه اللامعقولية لا يمكن إلا أن تكون نقطة بداية لتحديد أدق للموضوع. والواقع أنه قد تضافرت محاولات متعددة تلاقت كلها على هدف واحد، هو إضعاف قيمة العلم لكي تتيح من جديد إمكان قيام معرفة فوق العقلية، وعلية قائمة على الحرية، وهما هدفان كانت سيادة الضرورة في عالم الأشياء تحول دون تحقيقهما، وكأن المطلوب هو إيجاد رابطة وثيقة بين علم ناقص تتخلله ثغرات عديدة، وبين حرية لا تجد لها طريقا إلى العالم إلا بفضل هذه الثغرات، والواقع أن نجاح هذه المحاولات أمر مشكوك فيه، فما هي في الحقيقة سوى تفسير فلسفي متعجل لأزمة للعلم سيخرج منها أقوى مما كان، فلا جدال إذن في أن لا عقلية بعض نظريات المعرفة ستظل في التاريخ شاهدا على عصر كانت الفلسفة تظن فيه أنها تجد في حالة العلم الذي يعمل على زيادة مرونة مناهجه وسيلة لتبرير لحرية الإنسانية على نحو لا يخلو من المخادعة.»
13
Unknown page