349

تتناولهم أدلة قبول الآحاد ، فهذا تفريط وإفراط ! يترك أبا حنيفة ومحمد بن الحسن وابن إسحاق وداود الظاهرى ، ومنهم من أذعن له الناس في المغازى ومنهم من تبعه شطر أهل البسيطة ثم يروى عن مستور لا يعلم من هو ولا ما هو . وليس مرادنا الحط من الصحيحين ، ولكن ليعلم أن الخلاف دخلت مفسدته في كل شعب ، فهذا هو ما نحن بصدده من التنفير عن الخلاف فاعلمه (1) اه باختصار . ثم قال المقبلى فيه ذيل هذا الكتاب المسمى بالاوراح النوافخ فيما شرح به قوله (2) وادعوا الصحبة وأثبتوها لمن لم يقض له بها دليل : وجه هذا الكلام ما كررناه أنهم يصطلحون على شئ في متأخر الازمان ثم يفسرون الكتاب والسنة باصطلاحهم المجدد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعى ، إنما هي بحسب اللغة وكذلك سائر الالفاظ التى وردت بها فضائل الصحابة ، ولكن المحدثون اصطلحوا وقضوا بغير دليل ، على أن الصحبة لكل من رأى النبي ، أو رأى هو النبي ولو طفلا ، بشرط أن يكون محكوما بإسلامه ، ويموت على ذلك ولا يرتد ، ولا يشك منصف بل عاقل أن هذه القيود أمر اصطلاحي لا تقضى اللغة بها ، لان الاشتقاق إنما هو من صحب ، لا من رأى أو رئى تحقيقا أو تقديرا ، ليدخل الاعمى . وكان عليهم أن يقولوا تقديرا قريبا أو نحوه ، ليخرج المعاصر الذى لم يره ، بل ليخرج كل أحد ، إذ التقدير بحر واسع ، فهذا أصل الخطأ في هذه المسألة كما قد حذرناك من هذه الغلطة التى وقع الناس كثيرا فيها . ثم بعد أن تم لهم تعريف الصحبة ذيلوها باطراح ما وقع من مسمى الصحابي فمنهم من يتستر بدعوى الاجتهاد ، دعوى تكذبها الضرورة في كثيرة من المواضع ومنهم من يطلق ! ويا عجباه من قلة الحياء في ادعاء الاجتهاد لبسر بن أرطاة (3)

---

(1) من صفحة 297 إلى صفحة 312 من كتاب العلم الشامخ . (2) ص 687 إلى 688 . (3) نقل الحافظ ابن حجر في الاصابة أن معاوية وجه بسر بن أرطأة إلى اليمن والحجاز وأمره أن ينظر من كان طاعة على فيوقع بهم ويقتلهم ، وهو الذى قتل طفلين لعبيد الله بن عباس . ولامهما عائشة بنت المدان قصيدة في ذلك نكتفي منها بهذا البيت : أنحى على ودجى ابني مرهفة * مشحوذة وكذلك الاثم يقترف ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها . (*)

--- [ 353 ]

Page 352