284

هذا ما أردنا استعراضه قبل الاخذ في نقل أقوال العلماء الذين جعلونا نقف أمامها هذه الوقفة . قال ابن الصلاح : ومتى قالوا : هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاصناف المذكورة ، وليس من شرطه ، أن يكون مقطوعا به في نفس الامر . وأكد ذلك العراقى في شرح ألفيته فقال : وحيث قال أهل الحديث ، هذا حديث صحيح فمرادهم - فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد - لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . وقال السمعاني في القواطع : إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة . وقال الحاكم : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه . وقال عبد الرحمن بن مهدى (1) : معرفة الحديث إلهام ! فلو قلت للعالم بعلل الحديث ، من أين هذا ؟ لم يكن له حجة . هذا بعض ما قاله العلماء في الحديث الذى جعلوه صحيحا فترى ماذا يكون الشأن فيما نزل عن درجة الصحيح عندهم من أنواع الحديث التى بينوها في كتبهم ؟ وماذا يصنع بعد ذلك كله من يريد أن يعرف الحديث الصحيح الذى يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس ؟ وأى سبيل يسلكه لكى يهتدى إلى تمييزه من غيره وهو يجد تلقاءه هذه الاقوال وغيرها مما يوجب الحيرة ويدعو إلى الشك والاسترابة ! وأى حديث يأخذ وأيها يدع ؟ وبخاصة بعد أن يطلع على ما نقله ابن الصلاح في فتاويه عن الائمة فيما ذكروه من أصناف الحديث إذ قال : قالت الائمة : في الحديث (1) حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح . (2) أو إسناده غير صحيح ومتنه صحيح . (3) أو إسناده مجهول ومتنه مجهول . (4) أو إسناده صحيح ومتنه صحيح . (5) أو إسناده ضعيف ومتنه ضعيف ! !

---

(1) عبد الرحمن بن مهدى من كبار علماء الجرح والتعديل . (*)

--- [ 288 ]

Page 287