[book 1]

[chapter 0]

بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلى وبه نستعين.

قال جامع هذا الكتاب ومؤلفه: إن أناسا من الأطباء — أيها الحبيب، أسعدك الله ببلوغ مطلوباتك، وأعانك على درك الحق — حين جهلوا أصول صناعة الطب، وفاتهم درك فروعها، وقصروا عن تأمل الصواب فى طرقها، خرجوا إلى الحيل والتلبيس، حتى أفسدوا محاسنها، وأساؤا سمعة أهلها، وكانوا بمنزلة بنائين راموا إصلاح تشعيث دار قد بنيت أتقن بناء، وأحكمت أحسن إحكام، وأعد فيها ضروب المصالح والمنافع، فجعلوا يسعون فيها، محجوبة أبصارهم عن مواضع الفساد، لجهلهم بمعرفة ما فيه بنيت الدار، وسوء تحصيلهم نظمها، وأحكام هيئتها. فإنهم لما عميت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل لكونها، صاروا يجولون كالحيارى، لا يفهمون مواضع الفساد، ولا مواقع علله. وربما رام الواحد منهم الإصلاح لشئ يجهل سببه، فيسرع إلى إفساده وهدم أساسه، كالذى أقدمت 〈عليه〉 وجاهرت به الطائفة من الأطباء الذين رأيتك تذمهم وتوبخهم، وأشباههم من أهل القحة والإقدام على ما لا يعلمونه، فحق على من أنعم الله عليه بمعرفة، ووفقه لتأصيل هذه الصناعة، أو حلها والوقوف على ما فيها من لطيف التدبير وصواب التقدير، ألا يقصر فى إظهار مابلغه علمه من ذلك، بل يجتهد فى نشره وإذاعته، ليقوى به نفوس أهل الحقائق ويجتنب به سوء العمل فى تدابير الأصحاء والمرضى، محتسبا للثواب فى ذلك، واثقا بمعونة الله تعالى، وتأييده إياه.

Page 1

وقد تكلفت جمع ما قدرت عليه من الآداب التى ينبغى للطبيب أن يؤدب بها نفسه، والأخلاق المحمودة التى ينبغى أن يقوم بها طبعه. وذكرت طرفا من التدابير التى ينبغى أن يدبر بها جسمه، والأفعال التى يجب أن يفعلها بذاته أولا، والأفعال التى يفعلها بالأصحاء والمرضى، وجملا من الأفعال والوصايا والتدابير التى ينبغى له أن يتقدم بها إلى المريض وخدمه ومن يتولى مصالحه، وجعلت جميع ذلك مقالة أولى من هذا الكتاب. ثم جمعت فى المقالة الثانية ما يجب على المريض أن يكون عليه من القبول، لتنصلح أخلاقه لنفسه ولطبيبه ولخدمه، فيتم بذلك صلاح جسمه. وذكرت فيها أيضا واجبات ولوازم تدعو الحاجة إليها فى صلاح الأصحاء والمرضى، من قصص وأخبار يتأدب بها سائر الناس كافة والأطباء خاصة. وأنا أميز كل صنف من هذه المعانى فى باب، ليكون الكتاب أبوابا، فيسهل بذلك على طالب المعنى مطلبه، ويقرب مأخذه. والأبواب عشرون بابا. ويجب أن نعددها أولا، وما يتضمنه باب باب، ثم نأخذ فى شرحها بعون الله وتأييده.

الباب الأول: فى الأمانة والاعتقاد الذى ينبغى أن يكون الطبيب عليه، والآداب التى يصلح بها نفسه وأخلاقه.

الباب الثانى: فى التدابير التى يصلح بها الطبيب جسمه وأعضاءه. وهو باب يشتمل على واجبات كثيرة، فلذلك يجب أن يميز أقوالا مفصلة.

الباب الثالث: فيما ينبغى للطبيب أن يحذره ويتوقاه.

الباب الرابع: فيما يجب على الطبيب أن يوصى به خدم المريض.

الباب الخامس: فى أدب عواد المريض ومتفقديه.

الباب السادس: فيما ينبغى للطبيب أن ينظر فيه من أمر الأدوية المفردة والمركبة، وكيف ينبغى أن يحذر مما قد فسد منها بغير قصد، أو بقصد من الصيدنانى وغيره ممن يتولى حفظها وتدبيرها.

الباب السابع: فيما ينبغى للطبيب أن يسأل عنه المريض وغيره.

الباب الثامن: فيما ينبغى للأصحاء والمرضى جميعا أن يعتقدوه ويضمروه للطبيب فى وقت الصحة، ووقت المرض.

الباب التاسع: فيما يجب على المريض إبرامه من قبوله لأمر طبيبه ونهيه، وما يؤول إليه حاله عند خلافه له.

الباب العاشر: فيما ينبغى أن يعمله المريض مع أهله وخدمه.

الباب الحادى عشر: فيما ينبغى أن يعمله المريض مع عواده.

الباب الثانى عشر: فى شرف صناعة الطب.

Page 2

الباب الثالث عشر: فى أن الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته من صناعة الطب من الناس كافة، ولكن تشريفه من الملوك والأفاضل يجب أن يكون أكثر.

الباب الرابع عشر: فى نوادر جرت لبعض الأطباء، بعضها من جنس تقدمة المعرفة. وهى تحث الطبيب على تعرف طرق الإنذار، وبعضها مستظرفة تبعث الطبيب على اختبار تحصيل من يشاوره قبل مشورته عليه، لئلا ينسب فساد — إن جرى — إلى الطبيب.

الباب الخامس عشر: فى أن صناعة الطب لا يصلح أن يعملها كل من التمسها، لكن اللائقة بهم فى خلقهم وأخلاقهم.

الباب السادس عشر: فى محنة الأطباء.

الباب السابع عشر: فى الوجه الذى به يقدر الملوك على إزالة الفساد الداخل على الأطباء ومن جهتهم، والمرشد إلى صلاح سائر الناس من جهة صناعة الطب، وكيف كان ذلك قديما.

الباب الثامن عشر: فى التحذير من خدع المحتالين من الذين يتسمون باسم الطب، والفرق بين خدعهم والحيل الطبية.

الباب التاسع عشر: فى العادات المذمومة التى قد اعتادها كثير من الناس، وهى تسوق إلى الإضرار بالأصحاء والمرضى، وإلى ذم الأطباء.

الباب العشرون: فيما ينبغى للطبيب أن يذخره ويعده من وقت صحته لوقت مرضه، ومن زمان شبابه إلى زمان شيخوخته.

Page 3

[chapter 1]

الباب الأول

فى الأمانة والاعتقاد الذى ينبغى ان يكون الطبيب عليه، والآداب التى يصلح بها نفسه واخلاقه

أما بعد الحمد لمن لا تبلغ الألسن غاية حمده، ولا تنال العقول نهاية مجده. فإننى لما فكرت فى مسألتك، أيها الحبيب — أسعدك الله بدرك الحق وأنار لك طرقه — وجدت الجواب عنها يقتضى أغراضا كثيرة، ويلابس معانى جليلة، عظيم نفعها لجميع من يرتسم بصناعة الطب، وأحب تعلمها، لما يرسم فى نفسه من الآداب العقلية، والوصايا الطبية التى اجتهدت فى جمعها من مقالات القدماء، وآداب الفضائل.

Page 4

وأيضا فإن نفعها عام شامل لسائر الناس ممن له عقل وتحصيل، لما يربه من فضيلة أدبه، إن كان ذا أدب، ولما يبعثه ويحثه على التأدب، إن كان محبا للأدب، أو لما يخجله ويعرفه دناءة نفسه بين أهل العلم والأدب، إن كان عادلا عن محبة الأدب، وخاصة إن كان ممن قد نصب نفسه قاضيا على النفوس، وحاكما على الأجسام، ويتولى طبها وتدابيرها. فإن الخصال اللائقة بالحاكم، هى أو أكثرها لائقة بالطبيب أيضا. وقد قال أرسطاطاليس: تفقد من الحاكم أربع خصال: أن يكون حسيبا وأن يكون عالما وأن يكون ورعا وأن يكون غير عجول. وقال: إن الحاكم يزين الحكم وهو يوحشه. وإذا نقلت هذه الأقاويل إلى الطبيب، وجدتها به لائقة وعليه واجبة، إذ الطبيب حاكم فى النفوس والأجسام، ولا يشك أحد فى أن النفوس والأبدان أشرف من الأموال. فلذلك ينبغى للطبيب أن يأخذ نفسه بالآداب والعلوم النافعة له فى صناعة الطب، وبغير شك أن من لم يحط بما نذكره واطرحه، سيخجل إن كان له أدنى حس، وإن يكون له مع الحس يسير من العقل، فإنه سيستحى من الله جل ذكره الذى أنعم على الناس بصناعة الطب، ومنحها أفاضل يستحقون تعلمها، يخافونه ويرهبونه قبل الإقدام على علمها، فضلا عن العمل بها. وسيرى هذا المجترئ على الله وعلى أهله أن مزاحمته لهم، ودخوله بينهم بغير نصيب منها، قبيح جدا. فإن بعثه خجله على تأديب نفسه وإصلاح أخلاقه، ثم قصد أهلها بلطف وأدب وحسن مسألة، فتعلم منهم وخدم بين أيديهم فى أعمالهم، أمكنه حينئذ اجتماع العلم والعمل أن يحفظ صحة الأصحاء وأن يعالج المرضى. ولعل بعض الجهلة أن يظن أن خدمته لطبيب ما مدة من الزمان فى دكانه، ومعرفته ببعض الأدوية المفردة والمركبة، أو الفصد وما ماثله من أعمال الصناعة، وأخذه لذلك وتعرفه له من كناش أو أقراباذين، قد كفاه وأغناه عن قراءة كتب صناعة الطب، وتعرف أصولها وقوانينها. فليس ذلك إلا سوء حظ له ولمن يدبره، لأن ما علمه مما ذكرناه، إن لم يعلم أين يضعه من الجسم، وفيمن يجب استعماله، ومتى وأين من الأماكن، وبأى الحالات والمقادير، كان إلى أن يمرض الأصحاء، ويقتل المرضى، أقرب من أن يحفظ الأصحاء ويشفى المرضى.

فعلى جميع الوجوه والأسباب يجب أن أسارع إلى إجابتك فيما سألته، والله بكرمه المعين على جميع الخيرات. وبعد ما قدمته، أقول: إن أول ما يلزم الطبيب اعتقاده صحة الأمانة، وأول الأمانة اعتقاده أن لكل مكون مخلوق خالقا مكونا واحدا قادرا حكيما فاعلا لجميع المفعولات بقصد، محى مميتا ممرضا مشفيا، أنعم على الخلائق منذ ابتداء خلقهم بتعريفهم ما ينفعهم ليستعملوه، إذ خلقهم مضطرين وكشف لهم عما يضرهم ليحذروه، إذ كانوا بذلك جاهلين. فهذه أول أمانة واعتقاد ينبغى للطبيب أن يتمسك بها، ويعتقدها اعتقادا صحيححا. والأمانة الثانية أن يعتقد لله، جل ذكره ، المحبة الصحيحة، وينصرف إليه بجميع عقله ونفسه واختياره. فإن منزلة المحب اختيارا أشرف من منزلة الطائع له خوفا واضطرارا. والأمانة الثالثة أن يعتقد أن لله رسلا إلى خلقه، هم أنبياؤه، أرسلهم إلى خلقه بما يصلحهم، إذ العقل غير كاف فى كل ما يصلحهم، دون 〈أن يرسل〉 من رسائله ما شاء وكيف شاء فى الوقت الأصلح، كما اختار من الخلق للرسالة الصفوة ممن شاء.

Page 5

فهذه أصول الأمانات التى يجب على الطبيب أن يستسرها بينه وبين خالقه ويعتقدها اعتقادا صحيحا. فقد دلت القدماء على صحتها، وأتت الكتب المنزلة بها، وشهدت على حقيقتها، ولا يسع ذو شرع الخروج عنها. فليس ينبغى أن تحفل بمن عدل عن هذه الأمانات، ظنا منه ببطلانها، فأزرى على الشرائع، وأظهر التدهر والزندقة، فليس ذلك منه إلا جهلا يسوقه إلى الهلاك وسوء العاقبة. فإن دعتك نفسك إلى أن تختبره، لينكشف لك جهله، فسله عما اعتقده، لم اعتقده، ولم عدل عن اعتقاد الكافة وأهل شرعه! فإنك من مبتدأ جوابه تستدل على حيرته وسوء عقله. ولعله أن يكون فى ذلك مقلدا لمن كان يصحبه ممن كان يذهب ذلك المذهب، ويعتقد ذلك الرأى، ميلا إلى الرخصة وخلع العذار، وشوقا إلى بلوغ اللذات، ولم يزل هواه يغلبه، ولذاته تغره، حتى انطمست عين عقله، وعميت عن النظر الصحيح فيما يصلحه ويرشده إلى المذهب الحق، والرأى الصحيح. ودائما ذلك دأبه، والجهل يستحكم عليه 〈إلى〉 أن يؤدى إلى هلاكه فى دنياه وآخرته. ومع ذلك، فإنه سيكون سببا لهلاك من يصحبه من الأغراء، فتكون منزلته منزلة أصل الشوك الذى كلما كثرت فروعه، عظم ضرره، وعسر قلعه، فلا يستأصله إلا نار قوية تهلك الفروع والأصل معا، إذ يسقط فى الأرض من البزر ما يكون منه خلف. كذلك يكون الضرر أعظم كثيرا ممن اعتقد هذه الآراء، و〈تكون〉 الآفات على الناس أشد، والبلاء أكثر من الأحداث والجهال التابعين لهم، لميل الأحداث إلى اللذات، وسرورهم بالرخصة وقلة الكلفة. فهم بذلك يبيحون المحرمات، ويستحلون المحظورات، فقد أحاط منهم بالتابع والمتبوع نار لا تطفأ، وعذاب لا يفنى، بسوء ذكر فى الدنيا، وأليم عذاب فى الآخرة.

والشقى المغرور من هؤلاء الأحداث، الكبير العجب بالحقير من دنياه، الكافر بنعم مولاه، لو تيقظ من نومته، وصحا من سكرته، ففكر فى خلق ذاته وبقائه، وثباته مع تضاد أسطقساته، وتعادى أخلاطه، مدة حياته، وإتقان أوصاله، وإحكام هيئته، لكفاه ذلك دليلا على وجوب علته، وكان منه أوضح برهانا على وحدانية خالق الكل وقدرته وحكمته. وإذا كان هذا المخدوع قد عمى عن هذا الطريق وجهله، فقد كان له عدة أدلة من طرق أخر غيره. منها تأمله لنوع نوع من الموجودات، كعجائب ما فى الأرض من معادنها وأحجارها ونباتها وأشجارها، وما على وجهها من أصناف ماشيها وسائحها، وسابحات الماء، وطائرات الهواء، وما به تم كل نوع من هذه، من فضوله وخواصه المقومة لأفعاله. فإنه قد كان يكتفى فى الاستدلال على ما قدمناه من صحة تلك الأمانات، وحقيقة ما ذكرناه من الاعتقادات ببعض هذه الطرق، إذا سلكها فى استدلاله سلوكا مستقيما.

فأما إن فاتته هذه الأدلة، وأخطأ هذه الطرق، فقد كان له من الأدوية النافعة لعماه قراءته فى كتب الشرائع الحاثة على الخيرات، الآمرة بالصالحات، الباعثة على النافعات، مقومة الأخلاق، ومعدلة الأفعال، معدن الآداب والفضائل التى قد خاب من جهلها، وعظمت خسارة من عدل عنها، و〈عن〉 أخذ نفسه بامتثال أوامرها، واتباع سننها.

Page 6

ولذلك وصى أرسطوطاليس للأسكندر بهذه الوصية، فقال: خذ نفسك بإثبات السنة، فإن فيها كمال البقاء! وأيضا فليقل لمن فاتته هذه الطرق، وعدم هذه السعادات: إن مما يرجى له الشفاء من عماه، والتخلص من حيرته، قراءته فى كتب العقلاء من المتقدمين الذين قد أجهدوا أنفسهم بالطرق العقلية، والقوانين القياسية فى إصابة الحق، ودركه. فإنه قد كان يجد فيها من فصيح الأقاويل، وواضح الأدلة على وجوب الإقرار بالبارئ تعالى، وعلى وحدانيته وقدرته وحكمته ووجوده، والإقرار برسله وشرائعه، والثواب والعقاب، ما لو جمع لكثر وطال وثقل محمله. ولكن لا بأس بإثبات اليسير من ذلك، لما أرجو به من النفع لمن التمس الحق، والتوبيخ والإخجال لمن عدل عنه إلى الآراء الرديئة، والمذاهب المفسدة.

وينبغى أن أقدم من القول فى هذا المعنى أقاويل الفلاسفة، وأبدأ منهم بأقاويل أرسطوطاليس، ثم أتبع ما قالته الفلاسفة ببعض ما قالته الأطباء. وأظهر أقاويل أرسطوطاليس وأوضحها فى ذلك ما صرح به فى كتابه الذى عنونه ﺑ «كتاب ما بعد الطبيعة»، وخاصة فى «مقالة اللام» منه، قال: إن الذى لا مكان له أصلا ولاتحويه نهايات الأجسام، كما يحوى جميع الأشياء التى فى المكان هو الله حقا.

وقال أرسطوطاليس أيضا فى موضع آخر من هذه المقالة: فإنه من الصواب والحق أن يعتقد أن ذلك الشئ المعقول مفرد عن الجواهر جميعا، حتى لا يوجد بينه وبينها مشاركة البتة، لا فى الطبع ولا فى عرض من الأعراض، وهو الله تعالى. ثم قال: وغرضنا إنما هو الكلام فى هذا الشئ الأعظم، أعنى الأول الذى لا يتحرك، وهو الله الحق. وقال أيضا: المحسوسات واقعات تحت حس البصر، منها الأجسام السماوية، والأجسام الأرضية من الحيوان والنبات، وأمرها بين. وأما الفاضل الأول، فهو الذى هو غير متحرك، الأزلى الأبدى. وقال أيضا: وذلك أنه ليس بينه وبين ما هو دونه من الجواهر مشاركة فى شئ من الأشياء أصلا، لا فى تغير من كل التغير، ولا فى مكان، ولا فى نمو، ولا نقص، ولا يجمعهما أيضا مبدأ واحد عنه حدثا، لكن البدء الأول الذى هو الله لا مبدأ له أصلا، وكل ما هو دونه، فمبدأه منه.

ومن أقاويله التى صرح فيها بضرب من ضروب النبوة قوله فى الطبيعة هذا القول، قال: وليس بعجب أن تكون الطبيعة، وهى لا تفهم، منساقة بما تفعله إلى الغرض المقصود إليه، إذ كانت لا تروى ولا تفكر فى فعل ما تفعله. قال: وهذا مما يدلك على أنها ألهمت إلهاما تلك النسب من سبب هو أكرم منها وأشرف وأعلى مرتبة. ولذلك صارت تفعل ما تفعل منساقة نحو الغرض، وهى لا تفهم الغرض، كما قد ترى القوم الذين يلهمون أن يتكلموا بكلام ينبئون به، كما يسألون عنه قبل أن يكون، فهم لا يفهمون العلة فيما يقولون

Page 7

وقال أيضا: فالصانع لهذا العالم، ولترتيبه، وهو الحق الأول، وله العلم المحض فى الغاية القصوى، وعن علمه يكون ترتيب الأشياء ونظامها، وإلى الاقتداء به يشتاق. وقال أيضا بعد كلام طويل: فقد تبين من هذا أن الله يعلم ذاته، ويعلم بذلك جميع الأشياء التى هو مبدأها، وأحوالها وتصرفها، ويعلم ذلك كله معا. وقال أيضا فى كتاب سمع الكيان أقاويل كثيرة من هذا الفن، غير أنى أكتفى منها بقول واحد قاله فى المقالة الثامنة منه، قال: ليست الخليقة، يا هذا، غير مهيأة مفعولة، وإنها لحسنة التهيئة والفعل. وإذا كانت فيها تهيئة، فقد اضطرت أن تكون بإرادة وقدرة عليها نعت واحد، وإن الذى لا منتهى له، ليس له نعت واحد، ولا حد.

وأما فلاطن، فإنه تكلم فى النفس فى الكتاب المنسوب إلى فادن فى النفس، وأطنب فى وصف الثواب والعقاب والحساب فى الآخرة، وطبقات الثواب والعقاب بعد الموت، مما يطول إعادته، ولكن نذكر منه طرفا. قال سقراط: أظنك، يا قابس، لم تفهم عنى بعد. قال قابس: لا والله واهب الحياة فما فهمت عنك على ما ينبغى. قال سقراط: فانهم عنى، فإنى مستأنف بك قولا مجددا. ثم قال سقراط بعد أن قال: فإن سلمت لى بهذه الأشياء، أوجدتك أن النفس شئ لا يبطل بعد مفارقة البدن؟ قال قابس: فبادر بنتيجتك، فإنى مسلم لك. قال سقراط بعد أن قال: فالنفس غير مائتة، ولا باطلة، بعد مفارقة البدن، قال سقراط: ثبت، يا قابس، أن أنفسنا بعد الموت موجودة، لا فى مدة هذا الزمان الذى تنسب فيه إلى الحياة، بل فى الأبد أبدا. وقال فى موضع آخر: وعند ذلك لا يؤذن فى السرور، فإنه لو كان الموت هو بوار الأمر كله، لكانت هذه هى فرصة الأشرار، إذا ماتوا أن يستريحوا من البدن، ومن همهم مع النفس التى هى فى أبدانهم.

Page 8

وقال: إن كل واحد من الناس إذا مات، فإن ملكه الموكل به خاصة وهو حى يروم أن يسوقه إلى موضع من المواضع المذكورة فيه، بحيث يحوز المجتمعون فيه على ما لهم وعلى ما عليهم. ثم يقودهم إلى الآخرة قائد من الملائكة، مأمورا بأن يمضى بمن هناك إلى هاهناك. فإذا جوزوا هناك بما يستحقون المجازاة به، ولبثوا بالمكان المدة 〈و〉الزمان الذى يجب أن يلبثوها فيه، ساقهم سائق آخر من الملائكة فردهم إلى ما هناك فى أدوار من الزمان كثيرة، بعيدة المدة، وأخلق بمسير الأنفس ألا يكون كما ذكر أسخيلوس عن طيلافس، فإن ذاك قال: أيها الملك، إنما تسير الأنفس فى طريق واحد مفرد. قال سقراط: لكن الصحيح فيها تشعب فى طرق كثيرة مختلفة. ونحن نقول ذلك على حسب ما يستدل به من الذبائح والأشياء المفترضة فى الشريعة أن نفعلها، فالنفس الذاهبة الكيسة تنقاد لسائقها ولا تجهل ما هى فيه. وأما التى هى مغراة بالشهوات الجسدانية، فإنها، كما قلنا، تبقى مدة من الزمان طويلة تجول متحيرة، تجاذب مجاذبة شديدة، وتلقى أنواعا من الجهد كثيرة. فبالعسر والكف تمضى منقادة للملك المأمور بسياقتها. فإذا انتهت إلى الموضع الذى فيه الأنفس الأخر غيرها،...أما إذا كانت دنسة، فقد فعلت أفعالا دنسة، إما من القتل جورا وظلما، وإما من غيرها إلى ما شابهه، ومما هو من أنفس هى نظائرها، فإن كل ملك قد يهرب منها ويزوغ عنها، ولا يشاء أن يقارنها فى طريق ولا يقودها، وتبقى تتية وهى على غاية الحيرة، إلى أن تنقضى أطوار من الزمان، وعند انقضائها، تأتى بها الضرورة إلى المسكن الذى هو أولى بها.

ثم ذكر فلاطن فى هذا الكتاب صفة أراض نضرة، منبتة أنواعا من الأشجار الطيبة الروائح، الحسنة المنظر، الرفيعة القدر، وبقاع كثيرة الأنهار الكدرة التى تحوى الطين ذا الروائح الكريهة، والألوان الوعرة، تهوى إلى قعر الأرض، ونيران تسمى الجحيم، وذكر أن الأشرار فيها يعذبون، والأخيار فى تلك يخلدون.

وهذا من كتب فلاطن المشهورة، وإنما اقتصصت ما اقتصصته منها، ليسمعه هذا السيئ العقل، الردئ الحظ، المستخف بشرعه، المباين أهل العقول والأديان بكفره، فيرجع عن جهله وعداوته . وأنا أزيده من أقاويل بقراط وجالينوس ما يزده بيانا.

قال بقراط فى كتاب كون الجنين مقرا بالله تعالى وتكوينه للخلائق قصدا: فإذا امتلأ من الريح، صير الله للريح طريقا فى وسط المنى. وقال أيضا فى كتاب حبل على حبل: المولودين فى سبعة أشهر: فكثير منهم يحيون، لأن الزمان يخلق الله فيه الجنين فى الرحم... وقال أيضا فى كتابه الذى سماه كتاب الوصايا، قال: وأى امرئ أعطاه الله علما يشفى به المريض، وحباه بذلك...وقال فى كتابه فى الإيمان والعهود: إنى أقسم بالله، رب الحياة والموت، وواهب الصحة، وأقسم بأسقلبيوس، وبخالق الشفاء وكل علاج...وأسقلبيوس، هو جده القديم فى الطب. وقال أيضا: وأقسم بأولياء الله من الرجال والنساء جميعا.

وأما جالينوس، فإنه قال فى تفسيره لهذا الكتاب، فى تفسير الفصل الأول منه قال: فأما نحن، فالأصوب عندنا والأولى أن نقول إن الله جل وعز خلق صناعة الطب، وألهمها الناس، وذلك أنه لا يمكن فى مثل هذا العلم الجليل أن يدركه عقل الإنسان، لكن الله هو الخالق الذى هو بالحقيقة، فقد يمكنه خلقه. وذلك أنك لا تجد الطب أخس من الفلسفة التى يرون أن استخراجها كان من عند الله تعالى بإلهام منه. وقال جالينوس فى تفسيره للفصل الثانى من هذا الكتاب، قال: بعد أن أحلف بقراط من يتعلم صناعة الطب بالله تبارك وتعالى، وبمن كان أول من استخرج صناعة الطب، عاد فأحلفه بأولياء الله، من كان منهم يونانيا، ومن كان منهم من غير اليونانيين، ليكون كل واحد ممن يحلف، إذا حلف بأولياء الله من عشيرته، حفظ ما يحلف بسببه حفظا بالغا.

Page 9

وأما ما قاله جالينوس فى كتبه فى هذا المعنى، فكثيرة نذكر منها يسيرا. قال فى المقالة الخامسة من كتابه فى منافع الأعضاء: وذلك أن بعد همتك وعنايتك لا يلحق بحكمة الخالق لذلك، وببعد شأنه وعنايته. ثم قال فى قول آخر بعد ذلك: فإنى أرى أن فى ذلك كفاية فى البيان عن آثار حكمة الله تعالى فى الخليقة.

وقال فى المقالة السادسة من هذا الكتاب: وخالقنا، إذ هو حكيم، لا يغيب عن حكمه شئ، فهو لم يخلق فى شئ من الحيوان شيئا باطلا ولا جزافا. وقال فى المقالة السابعة منه فى خلق القلب وتجويفه الأيسر منه: فيجب لنا الشكر له، إذ كان إنما لطف فى ذلك، واحتاط فيه، حتى جعله على ما هو عليه، لكى لا تخمد الحرارة الغريزية.

وقال أيضا: وهذا السر الذى أريد أن أخبرك به ليس بدون تلك الأسرار، ولا ينقص عنها فى الدلالة على حكمة الله وقدرته وعنايته. وقال: وقد أشرفت من لطف الخالق وقدرته فى هذا وغيره على أشياء، أنا مقر بأن طاقتى تقصر عن بلوغ ما يستحقه من الثناء والمديح على حسن تقديره لخلقه الحيوان، وغير الحيوان.

وقال فى التاسعة: لم يخلق الله شيئا مما وصفنا باطلا، ولا عن غير تعمد. وقال فى العاشرة: وجميع ما وصفنا يدل على سابق علم خالقنا، وحكمته العجيبة. وقال: فلما صحت عزيمتى على الإضراب عن شرح كذا وكذا تخفيفا عن المتعلمين، رأيت فيما يرى النائم، بإلهام من الله، طارقا طرقنى يعذلنى ويلومنى، ويقول: لقد ظلمت هذه الآلة التى هيأها الله، ونافقت الخالق تبارك شرح هذا الفعل العظيم الذى يدل على غاية رحمة الخالق بالخلق. فألحق آخر هذه المقالة! ثم قال: أمرنى واحد من الملائكة بعد ذلك بشرحها، وأنا منته إلى أمرنى به. وقال أيضا: فالله يعلم أنى ما أتزيد فيما أقول. ثم أقسم أنى ما أتكلم إلا بحق من قبل أن يأمرنى الله سبحانه بوضع هذا فى كتاب، قد كنت عزمت على أن أطرح أكثره، وذلك لكيلا يبغضنى ويشنأنى كثير من الناس.

Page 10