Ādāb al-nufūs

آداب النفوس

Editor

عبد القادر أحمد عطا [ت ١٤٠٣ هـ]

Publisher

دار الجيل-بيروت

Publisher Location

لبنان

مُعَاملَة الله
دَلَائِل معرفَة الله
روى عَن بعض الْحُكَمَاء أَنه قَالَ
أوصيك وَنَفْسِي وَمن سمع كَلَامي بتقوى الله الَّذِي خلق الْعباد وَإِلَيْهِ الْمعَاد وَبِه السداد والرشاد
فاتقه يَا أخي تقوى من قد عرف قرب الله مِنْهُ وَقدرته عَلَيْهِ
وآمن بِهِ إِيمَان من قد اقر لَهُ بالوحدانية والفردانية والأزلية لما ظهر من مُشَاهدَة ملكوته وشواهد سُلْطَانه وَكَثْرَة الدَّلَائِل عَلَيْهِ والآيات الَّتِي تدل على ربوبيته ونفاذ مَشِيئَته وإحكام صَنعته وَبَيَان قدرته على جَمِيع خلقه وَحسن تَدْبيره أَلا لَهُ الْخلق والامر تبَارك الله رب الْعَالمين
وثق بِهِ يَا أخي ثِقَة من قد حسن ظَنّه بِهِ وَقلت تهمته لَهُ وَصدق بوعده ووثق بضمانه وَسكن قلبه عَن الِاضْطِرَاب إِلَى وعده وَعظم وعيده فِي قلبه

1 / 35

واشكره يَا أخي شكر من قد عرف فَضله وَكَثُرت أياديه عِنْده وبره بِهِ
وتعرف نعمه الظَّاهِرَة والباطنة الْخَاصَّة مِنْهَا والعامة واخلص لَهُ إخلاص من قد عرف أَنه لَا يقبل لَهُ عملا إِلَّا بعد تخليصه من الْآفَات وإخلاصه لله لَا شريك لَهُ وَلَا يُشْرك فِي عمله أحدا سواهُ
وَأعلم يَا أخي أَن إشراك المخلوقين فِي الْعَمَل أَن يتزين لَهُم العَبْد فِي مَوَاطِن الامتحان فيكذب فِي عمله أَو يرائي ليكرم ويعظم لجميل قَوْله ومحاسن مَا يظْهر من عمله وَهُوَ يعرف ذَلِك من نَفسه أَو يجهله مِنْهَا
وَلَا يسلم يَا أخي من شَره إِلَّا من هرب من مواطنه وَعمل وَهُوَ لَا يحب أَن يطلع لَهُ مَخْلُوق على عمل وَإِن اطلع لَهُ مَخْلُوق على عمل وَهُوَ لَا يحب اطِّلَاعه فَمن صدقه أَلا يحب أَن يحمده ذَلِك الْمَخْلُوق على مَا اطلع عَلَيْهِ من عمله وَإِن حَمده أحد وَهُوَ لَا يحب حَمده فَلَا يسر بِحَمْدِهِ لَهُ على عمله فَإِن سره فَلَا يسرن لِمَعْنى الدُّنْيَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب
ثمَّ أصدق يَا أخي فِي قَوْلك وفعلك صدق من قد عرف أَن الله مطلع على دخيلة أمره وسره وعلانيته وَمَا طوى عَلَيْهِ ضَمِيره
وتوكل عَلَيْهِ يَا أخي توكل من قد وثق بوعده وَاطْمَأَنَّ إِلَى ضَمَانه

1 / 36

ثِقَة مِنْهُ بوفائه ورضا مِنْهُ بِقَضَائِهِ واستسلاما مِنْهُ لأَمره وإيمانا بِقَدرِهِ ويقينا صَادِقا مِنْهُ بجنته وناره
وخفه يَا أخي خوف من قد عرف سطوته وَشدَّة نقمته وأليم عَذَابه ومثلته وآثاره وَوَقَائعه لمن خَالف أمره وَعَصَاهُ
وتعرف يَا أخي انه لَا تمسك لأحد خذله وَلَا صَنِيعَة على أحد وَفقه وسدده وحاطه وَحفظه وَأَنه لَا صَبر لأحد على عُقُوبَته ونكاله وَتغَير نعمه
وارجه يَا أخي رَجَاء من قد صدق بوعده وعاين ثَوَابه
واشكره يَا أخي شكر من قد قبل مِنْهُ محاسنه واصلح عمله وحباه من مزِيد أياديه وأناله من مزِيد كراماته مَا لم يستأهله بِعَمَلِهِ
واستحيه يَا أخي حَيَاء من قد تعرف كَثْرَة تفضله وجزيل مواهبه وَعرف من نَفسه التَّقْصِير فِي شكره وَقلة الْوَفَاء مِنْهُ بعهده وَالْعجز عَن الْقيام بأَدَاء مَا لزمَه من حَقه ثمَّ لَا يتعرف من خالقه إِلَّا جميل ستره وعظيم الْعَافِيَة وتتابع النعم ودوام الْإِحْسَان إِلَيْهِ وعظيم الْحلم والصفح عَنهُ

1 / 37

ثمَّ اعْلَم يَا أخي أَن الله جلّ ذكره قد افْترض فَرَائض ظَاهِرَة وباطنة وَشرع لَك شرائع دلك عَلَيْهَا وأمرك بهَا وَوَعدك على حسن أَدَائِهَا جزيل الثَّوَاب وأوعدك على تضييعها أَلِيم الْعقَاب رَحْمَة لَك وحذرك نَفسه شَفَقَة مِنْهُ عَلَيْك
فَقُمْ يَا أخي بِفَرَائِضِهِ والزم شرائعه وَوَافَقَ سنة نبيه ﷺ وَاتبع آثَار أَصْحَاب نبيه والزم سيرتهم وتأدب بآدابهم واسلك طريقهم واهتد بهداهم وتوسل إِلَى الله بحبهم وَحب من أحبهم فهم الَّذين أنابوا اليه وقصدوا قَصده واختارهم لصحبة نبيه فجعلهم لَهُ أحبابا وأخدانا
حَقِيقَة التوسل بحب الصَّالِحين
وَاعْلَم يَا أخي أَن عَلامَة حبك إيَّاهُم لزومك محجتهم مَعَ استقامة قَلْبك وَصِحَّة عَمَلك وَصدق لسَانك وَحسن سريرتك لأمر دنياك وآخرتك كَمَا كَانَ الْقَوْم فِي هَذِه الْأَحْوَال فَهَذَا يُحَقّق مِنْك صدق دعواك لحبهم والتمسك بسنتهم
فَإِذا صحت فِيك ومنك هَذِه الْخلال كصحتها مِنْهُم وَفِيهِمْ كنت صَادِقا فِي حب الْقَوْم وَحسن الِاتِّبَاع لَهُم

1 / 38

وَإِن كنت مُدعيًا لحبهم وَأَنت مُخَالف لأفاعيلهم عَادل عَن سَبِيل الاسْتقَامَة لطريق المحجة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فَأَنت مائل الى مُوَافقَة هَوَاك عَادل عَن مسيرتهم وَلست بصادق فِي دعواك
فَلَا تجمعن على نَفسك الْخلاف لمحجتهم وَالدَّعْوَى أَنَّك على سبيلهم فَمَتَى فعلت ذَلِك صَحَّ مِنْك جهل وَكذب وتعرضت للمقت من اللَّطِيف الْخَبِير
وَلَكِن إِقْرَارا واستغفارا فَذَلِك أولى بِمن كَانَت هَذِه صفته
وَليكن لَك يَا أخي فِي الْحق نصيب فَإِنَّهُ قد قيل ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يكون الْمقر فِيهِ بِالْحَقِّ ناجيا

1 / 39

سياسة النَّفس
فَإِذا أَنْت عرفت الْحق فأقررت بِهِ ودلك الْحق على أَن لله عَلَيْك مَعَ الْفَرَائِض الظَّاهِرَة فرضا بَاطِنا هُوَ تَصْحِيح السرائر واستقامة الْإِرَادَة وَصدق النِّيَّة ومفاتشة الهمة ونقاء الضَّمِير من كل مَا يكره الله وَعقد النَّدَم على جَمِيع مَا مضى من التواثب بِالْقَلْبِ والجوارح على مَا نهى الله عَنهُ
وَهَذَا أَمر جعله الله مهيمنا على أَعمال الْجَوَارِح فَمَا كَانَ من أَعمال العَبْد من عمل ظَاهر قوبل بِهِ من الْبَاطِن فَمَا صَحَّ وَوَافَقَ بَاطِنه صلح وَقبل ظَاهره وَمَا خَالف وَفَسَد بَاطِنه ردَّتْ عَلَيْهِ أَعمال ظَاهِرَة وَإِن كثرت وخسر ظَاهرهَا لفساد بَاطِنهَا
ويحقق ذَلِك كُله قَول الله تَعَالَى ﴿وذروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه إِن الَّذين يَكْسِبُونَ الْإِثْم سيجزون بِمَا كَانُوا يقترفون﴾
وَقَول النَّبِي ﷺ «إِنَّمَا الْعَمَل بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرئ مَا نوى»

1 / 40

وَقَوله فِي ابْن آدم مُضْغَة إِذا صلحت صلح سَائِر جسده وَإِذا فَسدتْ فسد سَائِر جسده يُرِيد عمله الا وَهِي الْقلب
وَقَوله إِن الْملك ليكْثر أَعمال العَبْد بعد وَفَاته عِنْد الله تَعَالَى فَيَقُول عَبدك لم أزل مَعَه حَتَّى توفيته ثمَّ يذكر محَاسِن عمله فيكثرها ويطيبها وَيحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ فَيَقُول الله تَعَالَى أَنْت كنت حفيظا على عمل عَبدِي وَأَنا كنت رقيبا على قلبه وَإِن عمله الَّذِي كثرته وطيبته لم يكن لي خَالِصا وَلست أقبل من عَبدِي إِلَّا مَا كَانَ لي خَالِصا
فاعرف يَا أخي نَفسك وتفقد أحوالها وابحث عَن عقد ضميرها بعناية مِنْك وشفقة مِنْك عَلَيْهَا مَخَافَة تلفهَا فَلَيْسَ لَك نفس غَيرهَا فَإِن هَلَكت فَهِيَ الطامة الْكُبْرَى والداهية الْعُظْمَى
فأحد النّظر إِلَيْهَا يَا أخي بِعَين نَافِذَة الْبَصَر حَدِيدَة النّظر حَتَّى تعرف آفَات عَملهَا وَفَسَاد ضميرها وتعرف مَا يَتَحَرَّك بِهِ لسانها ثمَّ خُذ بعنان هَواهَا فاكبحها بحكمة الْخَوْف وَصدق الْخلاف عَلَيْهَا وردهَا بجميل الرِّفْق الى مُرَاجعَة الْإِخْلَاص فِي عَملهَا وَتَصْحِيح الْإِرَادَة فِي ضميرها وَصدق الْمنطق فِي لَفظهَا واستقامة النِّيَّة فِي قَلبهَا وغض الْبَصَر عَمَّا كره مَوْلَاهَا مَعَ ترك فضول النّظر الى مَا قد أُبِيح النّظر إِلَيْهِ مِمَّا يجلب على الْقلب اعْتِقَاد حب الدُّنْيَا
وخذها بالصمم عَن اسْتِمَاع شئ مِمَّا كره مَوْلَاهَا من الْهوى والخنا وَفِي تنَاولهَا وَقَبضهَا وبسطها وَفِي فرحها وحزنها

1 / 41

وخذها بتصحيح مَا يصل الى بَطنهَا من غذائها وَمَا تستر بِهِ عورتها
وخذها بِجَمِيعِ همها كلهَا
وامنع فرجهَا عَن جَمِيع مَا كره مَوْلَاهَا
وَليكن مَعَ ذَلِك مِنْك تيقظ وَإِزَالَة للغفلات عَن قَلْبك عِنْد كل حَرَكَة تكون مِنْك وَسُكُون وَعند الصمت والمنطق والمدخل والمخرج والمنشط وَالْحب والبغض والضحك والبكاء
فتعاهدها يَا أخي فِي ذَلِك كُله فَإِن لَهَا فِي كل نوع ذَكرْنَاهُ من ذَلِك كُله سَبَب لهواها وَسبب لطاعتها وَسبب لمعصيتها
فَإِن غفلت ووافقت هَواهَا وغفلت عَن مفاتشة هممها كَانَ جَمِيع مَا ذكرت لَك من ذَلِك كُله معاصي مِنْهَا وَإِن انت سَقَطت بالغفلة ثمَّ رجعت بالتيقظ إِلَى خلاف هَواهَا فَكَانَ مَعَك النَّدَم على غفلتك وسقطتك رَجَعَ ذَلِك كُله إحسانا وطاعات لَك
فتفقدها يَا أخي بالعناية المتحركة مِنْك لَهَا مَخَافَة تلفهَا فَإنَّك تقطع عَن إِبْلِيس طَرِيق الْمعاصِي وتفتح على نَفسك بَاب الْخيرَات وَمَا التَّوْفِيق إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

1 / 42

بَين اللِّسَان وَالْقلب
خطر اللِّسَان
وخف يَا أخي من لسَانك اشد من خوفك من السَّبع الضاري الْقَرِيب المتمكن من أخذك فَإِن قَتِيل السَّبع من اهل الايمان ثَوَابه الْجنَّة وقتيل اللِّسَان عُقُوبَته النَّار إِلَّا أَن يعْفُو الله
فإياك يَا اخي والغفلة عَن اللِّسَان فَإِنَّهُ سبع ضار وَأول فريسته صَاحبه
فأغلق بَاب الْكَلَام من نَفسك بغلق وثيق ثمَّ لَا تفتحه إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَك مِنْهُ فَإِذا فَتحته فاحذر وَخذ من الْكَلَام حَاجَتك الَّتِي لَا بُد لَك مِنْهَا وأغلق الْبَاب
وَإِيَّاك والغفلة عَن ذَلِك والتمادي فِي الحَدِيث وَأَن يستمد بك الْكَلَام فتهلك نَفسك فَإِنَّهُ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لِمعَاذ وَهل يكب النَّاس على مناخرهم فِي جَهَنَّم إِلَّا حصائد ألسنتهم
وَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ مَا أتقي فَقَالَ هَذَا يَعْنِي لِسَانه

1 / 43

وَقَالَ لَهُ رجل مَا أخوف مَا تخَاف عَليّ فَقَالَ هَذَا وَأخذ رَسُول الله ﷺ بِلِسَان نَفسه
وَقَالَ لَهُ آخر مَا النجَاة فَقَالَ امسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك
وَقَالَ ﷺ من صمت نجا
وَقَالَ من سره ان يسلم فليلزم الصمت
وَورد عمر بن الْخطاب على ابي بكر ﵄ وَهُوَ آخذ بِطرف لِسَانه يبصبصه فَقَالَ مَا تصنع فَقَالَ هَذَا أوردني الْمَوَارِد
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَيْسَ شئ أَحَق بطول سجن من لِسَان
الى أَخْبَار كَثِيرَة فِي اللِّسَان
فإياك يَا أخي والغفلة عَنهُ فَإِنَّهُ اعظم جوارحك عَلَيْك جِنَايَة وَأكْثر مَا تَجِد فِي صحيفَة أعمالك يَوْم الْقِيَامَة من الشَّرّ مَا املاه عَلَيْك لسَانك وَأكْثر مَا

1 / 44