ومع كثرة هذه الكتب، فإنك تبحث عن كتاب في اللغة العربية عن اللورد كتشنر فلا تجد إلا كتيبا صغيرا للزميل عبد الحليم الغمراوي المحرر في «البلاغ»، ثم ما ورد عنه في كتاب «تاريخ السودان» للمرحوم نعوم شقير بك، والمقالات المبعثرة التي نشرت عنه في بعض جرائدنا ومجلاتنا، وأخصها ما ظهر عقب حادثة غرقه التي لم يرفع الستار عن سرها حتى الآن.
على أن هناك أثرا سياسيا عربيا للورد كتشنر، هو تقاريره عن أحوال مصر والسودان لما كان معتمدا لبريطانيا العظمى من سنة 1911 إلى سنة 1914، حيث سافر قبل نشوب الحرب وبقي في بلاده يعمل لتقوية الجيش الإنكليزي بالتطوع والتجنيد لمحاربة الألمان وأشياعهم.
في هذه التقارير الثلاثة، اقتفى اللورد كتشنر أوف خرطوم أثر سلفيه السياسيين كرومر وغورست في تدوين أحوال البلاد، مقتبسة من التقارير والمذكرات التي كان يرسلها إليهم الإنكليز الموظفون في الحكومة المصرية.
وتساوي هذه التقارير في أحجامها تقارير السير ألدون غورست.
وتقرؤها في الإنكليزية فتجد الفرق بين لغة كرومر الدسمة البليغة ولغة كتشنر العسكرية ذات الألفاظ المحدودة، لكل كلمة معناها.
قال في فاتحة تقريره عن سنة 1911:
بعدما غبت إحدى عشرة سنة عن مصر، حيث خدمت مدة في وظائف عسكرية وشبيهة بالعسكرية، سررت سرورا عظيما عند عودتي إليها، بتجديد معاشرة كثيرين من المصريين الذين تقادم عهد الصداقة بيني وبينهم، وتيسر لي إدراك التقدم والتغير الذي تغيرته مصر أكثر - على ما يظن - مما يدركه الذين استمرت إقامتهم فيها تلك المدة.
فلا جرم أنه يحق لسمو الخديو ونظاره وسائر موظفي دواوين الحكومة ومصالحها قبول التهاني بنجاح سعيهم في تحسين حالة الأهالي وتوفير اليسر والخير لهم.
على أن بلادا كمصر لا تزال تحتاج طبعا إلى سعي كثير، وإن يكن ذلك أضحى الآن أسهل مما كان عليه من الماضي.
والفضل في هذا التسهيل لمشورات ذوي العقل والحكمة التي تقلبت على سواها، ووطدت مالية البلاد على أركان المتانة والفلاح.
Unknown page