حديث اليوم يتجه أكثر للخيرين، ويخاطب أولًا الطيبين الذين ربما تصوروا أنهم خارج الدائرة، وأن غيرهم من أهل الفجور والعصيان، هم السبب الأول والأخير في كل نازلة تنزل بالمسلمين، وبكل محنةٍ يمتحن بها المؤمنون.
إن من أبرز مظاهر هذا الداء أن هذا الصنف في الناس يسهلُ عليه تحميلُ الأخطاء على الآخرين، وكلما حصلَ ضيقٌ أو فتنةٌ كان التبرير خارج إطار النفس جاهزًا، أما أن يتجه بالنقد للذات ..، أما أن تتهم النفوس، وتُبلى السرائر، فذلك آخر خاطر يرد على النفس.
ومظهر آخر يتمثل في التهاون بأثر المعصية، وترانا لا نقيم وزنًا للخطيئة نقترفها، ولا نظن بقاء أثر لها في حياتنا، وما أحوجنا أن نتذكر مقولة أنس، ﵁، (إنكم لتعلمون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) (١).
وفي كتاب الزهد لأحمد عن محمد بن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغنم بذنب أصبته منذ أربعين سنة (ابن القيم: الداء والدواء/ ١٠٢).
يقول ابن القيم ﵀: وهاهنا نكتةٌ دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فيُنسى، وسبحان الله كم أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم زالت من نعمة وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلًا عن الجهال (٢) وثالث هذه المظاهر عجبنا بالطاعة نؤديها، وعدم تخوفنا من عدم قبولها، وما أروع حال النفس بين
(١) رواه البخاري وغيره (انظر رياض الصالحين/ المراقبة ٤٨).
(٢) المصدر السابق/ ١٠٢ - ١٠٣.