989

وله أخ أو أخت فلكل وحد منهما

[النساء: 12]. وقيل: جاز لأنه أضمر فيه «من» كأنه قيل: إن يكن من خاصم غنيا أو فقيرا، بمعنى: غنيين أو فقيرين، فالله أولى بهما. وتأويل قوله { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي عن الحق ، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحق. ولو وجه إلى أن معناه: فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هربا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط كان وجها. وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال: لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى: أنهاك عنه كما ترضي ربك بتركه. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عني: وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ووجهوا معنى الآية إنها نزلت في الحكام على نحو القول الذي ذكرنا عن السدي من قوله: إن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله: { وإن تلووا أو تعرضوا } قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر. وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا أيها الشهداء في شهاداتكم فتحرفوها ولا تقيموها، أو تعرضوا عنها فتتركوها. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وإن تلووا أو تعرضوا } يقول: إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله }... إلى قوله: { وإن تلووا أو تعرضوا } يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإن تلووا }: أي تبدلوا الشهادة { أو تعرضوا } قال: تكتموها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وإن تلووا } قال: بتبديل الشهادة، والإعراض: كتمانها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وإن تلووا أو تعرضوا } قال: إن تحرفوا، أو تتركوا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وإن تلووا أو تعرضوا } قال: تلجلجوا أو تكتموا وهذا في الشهادة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإن تلووا أو تعرضوا } أما تلووا: فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها وأما «تعرضوا»: فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { وإن تلووا } فتكتموا الشهادة، تلوي: تنقص منها، أو تعرض عنها فتكتمها فتأبى أن تشهد عليه، تقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه فتقول: لا أقيم الشهادة عليه، وتقول: هذا غني أبقيه وأرجو ما قبله فلا أشهد عليه، فذلك قوله: { إن يكن غنيا أو فقيرا }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وإن تلووا } تحرفوا { أو تعرضوا }: تتركوا. حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: { وإن تلووا } قال: إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، { أو تعرضوا } قال: فتتركوها. حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: { وإن تلووا أو تعرضوا } قال: إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيموها على وجهها { أو تعرضوا } قال: تكتموا الشهادة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة أنه كان يقول: { وإن تلووا أو تعرضوا } يعني: تلجلجوا { أو تعرضوا } قال: تدعها فلا تشهد. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وإن تلووا أو تعرضوا } أما تلووا: فهو أن يلوي الرجل لسانه بغير الحق، يعني في الشهادة .

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوله: إنه لي الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه وذلك تحريفه إياها لسانه وتركه إقامتها ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له وعمن شهد عليه. وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال: { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة. واختلفت القراء في قراءة قوله: { وإن تلووا } فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى الكوفة { وإن تلووا } بواوين من: لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني ديني، وذلك إذا مطلوه، ليا. وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «وإن تلوا» بواو واحدة ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان: أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه، وبقيت واو واحدة، كأنه أراد: تلوؤا، ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ: { وإن تلووا } بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الواو الثانية من قوله: { تلووا } واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصح همزها ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة. والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: إن تلوا، من الولاية، فيكون معناه: وإن تلوا أمور الناس، أو تتركوا. وهذا معنى إذا وجه القارىء قراءته على ما وصفنا إليه، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية. فإذا كان فساد ذلك واضحا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: { وإن تلووا أو تعرضوا } بمعنى اللي: الذي هو مطل، فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها، فتغيروها، وتبدلوا، أو تعرضوا عنها، فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دين الرجل، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له، كما قال الأعشى:

يلوينني ديني النهار وأقتضي

ديني إذا وقذ النعاس الرقدا

وأما تأويل قوله: { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } فإنه أراد: فإن الله كان بما تعملون من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها وإعراضكم عنها بكتمانكموها، خبيرا، يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء باساءته، يقول: فاتقوا ربكم في ذلك. ]

[4.136]

يعني بذلك جل ثناؤه: { يا أيها الذين ءامنوا }: بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله. { ءامنوا بالله ورسوله } يقول: صدقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم. { والكتب الذى نزل على رسوله } يقول: وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن. { والكتب الذى أنزل من قبل } يقول: وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل. فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق، وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان. فقال جل ثناؤه لهم: { يا أيها الذين ءامنوا } يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل، { ءامنوا بالله ورسوله } محمد صلى الله عليه وسلم، { والكتب الذين نزل على رسوله } فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم، { وبالكتب الذين أنزل من قبل } الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا، وإلا فأنتم به كافرون. فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: { يا أيها الذين ءامنوا }. وأما قوله: { ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الأخر } فإن معناه: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوته، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لأن جحود الشيء من ذلك بمعنى جحوده جميعه وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه، فلذلك قال: { ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الأخر } بعقب خطابه أهل الكتاب، وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تهديدا منه لهم، وهم مقرون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان. وأما قوله: { فقد ضل ضللا بعيدا } فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا، لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله: الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال.]

[4.137]

Faqe e panjohur