988

[4.134]

يعني بذلك جل ثناؤه : { من كان يريد } ممن أظهر الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان. { ثواب الدنيا } يعني: عرض الدنيا، بإظهار ما أظهر من الإيمان بلسانه. { فعند الله ثواب الدنيا } يعني: جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها، هو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبي مشهدا، وأمنه على نفسه وذريته وماله، وما أشبه ذلك. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم. فمعنى الآية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله، فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك كله، وهو مالك جميعه، كما قال في الآية الأخرى:

من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم فى الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

[هود: 15-16]. وإنما عنى بذلك جل ثناؤه الذين سعوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله:

ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول

[النساء: 107-108] ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم. وقوله: { كان الله سميعا بصيرا } يعني: وكان الله سميعا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين وقولهم لهم آمنا. { بصيرا }: يعني: وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغل الذي في صدورهم.]

[4.135]

وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرق، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر يقول الله لهم: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط } يقول : ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني بالعدل. { شهداء لله } والشهداء: جمع شهيد، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله: «قوامين»، من ذكر الذين آمنوا، ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم. { ولو على أنفسكم } يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غني فتجوروا، فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها. { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } يقول: فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني على فقير أو لفقير على غني إلى أحد الفريقين فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله. فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط، وهل يشهد الشاهد على نفسه؟ قيل نعم، وذلك أن يكون عليه حق لغيره، فيقر له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه. وهذه الآية عندي تأديب من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادتهم لهم عنده بالصلاح، فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، فلا يحملنكم غني من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمة منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها. وقد قيل: إنها نزلت تأديبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان غني وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبي الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا }.

.. الآية. وقال آخرون في ذلك نحو قولنا إنها نزلت في الشهادة أمرا من الله المؤمنين أن يسووا في قيامهم بشهاداتهم لمن قاموا بها بين الغني والفقير. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين } قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيا لغناه، ولا يرحموا مسكينا لمسكنته، وذلك قوله: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } فتذروا الحق فتجوروا. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما }... الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من أقربائهم وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله }... إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة، قال: يقول هذا للشاهد. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله }... الآية، هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، من الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس. يا ابن آدم إن يكن غنيا أو فقيرا، فالله أولى بهما، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم.

قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال: يا رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: «العدل أقل ما وضعت في الأرض، فلا يمنعك غني عني ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق». وقال جل ثناؤه: { فالله أولى بهما }. وقد قيل: { إن يكن غنيا أو فقيرا }... الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال «بهما»، ولم يقل «به». وقال آخرون: إنما قيل «بهما» لأنه قال: { إن يكن غنيا أو فقيرا } فلم يقصد فقيرا بعينه ولا غنيا بعينه، وهو مجهول، وإذا كان مجهولا جاز الرد عليه بالتوحيد والتثنية والجمع. وذكر قائلوا هذا القول أنه في قراءة أبي: «فالله أولى بهم». وقال آخرون: «أو» بمعنى الواو في هذا الموضع. وقال آخرون: جاز تثنية قوله «بهما»، لأنهما قد ذكرا كما قيل:

Faqe e panjohur