The Phenomenon of Postponement in Islamic Thought
ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي
Daabacaha
دار الكلمة
Lambarka Daabacaadda
الأولى
Sanadka Daabacaadda
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
Noocyada
* وأما الأخرى - أي الواقعة الجزئية -: فهي قصة النفر من المنافقين الذين نزل فيهم قول الله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (*) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ» [التوبة: ٦٥، ٦٦] .
وقد روى سبب نزولها من طرق كثيرة (١) تثبت بمجموعها صحته. والأشهر أن ما قالوه هو: "ما رأينا مثل قرائنا هناك أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء".
فهؤلاء قوم خرجوا مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة الشاقة متعرضين للقتل والأسر أنهكتهم وعثاء السفر، فجلسوا في خلوة يتلهون بالسخرية ببعض الصحابة، فأنزل الله تعالى آيات محكمات حكم فيها بكفرهم بعد إيمانهم (٢)، وخروجهم من عداد المؤمنين، وهو ما يترتب عليه خروجهم الأبدي في النار ما لم يتوبوا.
وقبل أن تنزل الآيات فزع هؤلاء النفر يهرعون إلى النبي ﷺ معتذرين نادمين يقسمون الأيمان أنهم ما أرادو الكفر ولا قصدوه، وأن ما صنعوا لم يكن إلا خوضًا ولعبًا ولم يكذبهم الله تعالى في دعوى الخوض واللعب بل أوضح أن نفس خوضهم ولعبهم كفر، فنفس عذرهم إقرار بكفرهم!
إنه لا خلاف بين فقهاء الإسلام في أن الهزل بالكفر كفر - وإن اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والطلاق والعتاق (٣) - وهذه الآية من أقوى الأدلة على ذلك.
وقد بقى هذا الإجماع محفوظًا نظريًا في كتب الفقه حتى المتأخر منها، أما في الواقع العملي فإن استمرار الإرجاء، وانحسار مفهوم الإيمان، وغموض مفهوم الكفر، والغفلة عن كثير من ضروبه وأنواعه جعل الأمة الإسلامية تغفل عن تكفير المرتدين قصدًا وجهارًا (٤)، فضلًا عن الهازلين الساخرين، إلا من سار منها على منهج أهل السنة والجماعة وهم في العصور المتأخرة قليل.
_________
(١) انظر: الطبري (١٠/١٧١)، وابن كثير (٤/١١١)، وفتح القدير (٢/٣٧٨) .
(٢) كما في الآية: ولكنه إيمان ضعيف متذبذب، ولهذا تاب بعضهم وندم من ساعته، كما ورد في بعض الروايات.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٩٧) عند هذه الآية.
(٤) وأعني بهم طوائف الحلولية وغلاة الصوفية والفرق الباطنية وعباد الموتى ودعاة الشرك بكل ضروبه، وسائر الزنادقة والمنافقين الذين ظهر لهم في عصرنا أسماء وأشكال جديدة؛ كالاشتراكيين والبعثيين والقوميين والعلمانيين وسائر المنضمين أو المؤمنين بالأحزاب المرتدة والنظريات الكفرية، وكذلك دعاة الإباحية المطلقة المنتسبين إلى النظريات الإجتماعية والأدبية والنفسية والتربوية وأمثالها.
1 / 58