1493

ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقا وأمر للمسيب بألف درهم وفرس فقال له المسيب أما المال فلا حاجة لي فيه والله ما له خرجنا ولا إياه طلبنا وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إن ظلع فرسي أو غمز تحتي فخرج به حتى أتى أصحابه وأخرجت لهم السوق فتسوقوا وبعث زفر بن الحارث إلى المسيب بن نجبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جزورا وبعث إلى سليمان بن صرد مثل ذلك وقد كان زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر فسمي له عبدالله بن سعد بن نفيل وعبدالله بن وال ورفاعة بن شداد وسمي له أمراء الأرباع فبعث إلى هؤلاء الرؤوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر وعلف كثير وطعام وأخرج للعسكر عيرا عظيمة وشعيرا كثيرا فقال غلمان زفر هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم وهذا دقيق فتزودوا منه ما أطقتم فظل القوم يومهم ذلك مخصبين لم يحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأواق التي وضعت وقد كفوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن يشتري الرجل ثوبا أو سوطا ثم ارتحلوا من الغد وبعث إليهم زفر إني خارج إليكم فمشيعكم فأتاهم وقد خرجوا على تعبية حسنة فسايرهم فقال زفر لسليمان إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة فيهم الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذي كلاع وأدهم بن محرز الباهلي وأبو مالك بن أدهم وربيعة بن المخارق الغنوي وجبلة بن عبدالله الخثعمي وقد جاؤوكم في مثل الشوك والشجر أتاكم عدد كثير وحد حديد وايم الله لقل ما رأيت رجالا هم أحسن هيئة ولا عدة ولا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلت إليكم عدة لا تحصى فقال ابن صرد على الله توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون ثم قال زفر فهل لكم في أمر أعرضه عليكم لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيرا إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحدا وأيدينا واحدة وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا وخرجنا فعسكرنا إلى جانبكم فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعا فقال سليمان لزفر قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه وذكروا مثل الذي ذكرت وكتبوا إلينا به بعدما فصلنا فلم يوافقنا ذلك فلسنا فاعلين فقال زفر فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه وخذوا به فإني للقوم عدو وأحب أن يجعل الله عليهم الدائرة وأنا لكم واد أحب أن يحوطكم الله بالعافية إن القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم إلى عين الوردة فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والماد في أيديكم وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون والله لو أن خيولي كرجالي لأمددتكم اطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة فإن القوم يسيرون سير العساكر وأنتم على خيول والله لقل ما رأيت جماعة خيل قط أكرم منها تأهبوا لها من يومكم هذا فإني أرجو أن تسبقوهم إليها وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنه ليس لكم مثل عددهم فإن استهدفتم لهم لم يلبثوكم أن يصرعوكم ولا تصفوا لهم حين تلقونهم فإني لا أرى معكم رجالة ولا أرام كلكم إلا فرسانا والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان فالفرسان تحمي رجالها والرجال تحمي فرسانها وأنتم ليس لكم رجال تحمي فرسانكم فالقوهم في الكتائب والمقانب ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع كل كتيبة كتيبة إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت ومتى ما شاءت كتيبة انحطت ولو كنتم في صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة ثم وقف فودعهم وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم فأثنى الناس عليه ودعوا له فقال له سليمان بن صرد نعم المنزول به أنت أكرمت النزول وأحسنت الضيافة ونصحت في المشورة ثم إن القوم جدوا في المسير فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة قال فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا ثم إن سليمان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر ثم أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها وسبق القوم إليها فعسكروا وأقام بها خمسا لا يبرح واستراحوا واطمأنوا وأراحوا خيلهم

قال هشام قال أبو مخنف عن عطية بن الحارث عن عبدالله بن غزية قال أقبل أهل الشأم في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة قال عبدالله بن غزية فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال وأثنى عليه فأطنب ثم ذكر السماء والأرض والجبال والبحار وما فيهن من الآيات وذكر آلاء الله ونعمه وذكر الدنيا فزهد فيها وذكر الآخر فرغب فيها فذكر من هذا ما لم أحصه ولم أقدر على حفظه ثم قال أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذي رأيتم في المسير إليه آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ولقاء الله معذرين فقد جاؤوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم فإذا لقيتموهم فاصدقوهم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا يولينهم امرؤ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة لا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة ثم قال سليمان إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عبدالله بن سعد بن نفيل فإن قتل عبدالله بن سعد فأمير الناس عبدالله بن وال فإن قتل عبدالله بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد رحم الله امرأ صدق ما عاهد الله عليه ثم بعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس ثم قال سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فيهم الغارة فإذا رأيت ما تحبه وإلا انصرفت إلي في أصحابك وإياك أن تنزل أو تدع أحدا من أصحابك أن ينزل أو يستقبل آخر ذلك حتى لا تجد منه بدا

قال أبو مخنف فحدثني أبي عن حميد بن مسلم أنه قال اشهد أني في حيل المسيب بن نجبة تلك إذ أقبلنا نسير آخر يومنا كله وليلتنا حتى إذا كان في آخر السحر نزلنا فعلقنا على دوابنا مخاليها ثم هومنا تهويمة بمقدار تكون مقدار قضمها ثم ركبناها حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا ثم ركب فركبنا فبعث أبا الجويرية العبدي بن الأحمر في مائة من اصحابه وعبدالله بن عوف بن الأحمر في مائة وعشرين وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكناني في مثلها وبقي هو في مائة ثم قال انظروا أول من تلقون فأتوني به فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرة وهو يقول ... يا مال لا تعجل إلى صحبي ... واسرح فإنك آمن السرب ...

Bogga 415