Tarjamada Masaarida iyo Galbeedka
تراجم مصرية وغربية
Noocyada
فبرغم تبليغ اللورد دوفرين الباب العالي عقب موقعة التل الكبير أن الحكومة البريطانية تفكر في سحب جنودها من مصر ما دام النظام قد استتب فيها فإن حكومة جلالة الملكة رأت عقب انتصارها على الثوار أن يكون مصير الثوار بيدها لا بيد حكومة الخديو، أليست هي التي تغلبت عليهم وقهرتهم؟ وإذا كان الخديو وأنصاره يرون طبيعيا أن يقضى على عرابي وكل من معه بالإعدام جزاء فشلهم في ثورتهم، فإن إنجلترا تنظر للأمر نظرة أخرى؛ ولذلك أبلغ القنصل الإنجليزي الخديو ألا يتصرف في أمر الثائرين قبل حضور اللورد دوفرين إلى مصر، وكانت حكومته قد انتدبته «لينصح إلى حكومة الخديو بالوسائل الواجب اتباعها لإعادة سلطة سموه»، وكان أول ما صنعه لورد دوفرين أن طلب الإفراج عن المئات الذين اكتظت بهم السجون باعتبارهم ثائرين عدا خمسة هم: عرابي وطلبة ومحمود سامي ومحمود فهمي وعلي فهمي، ومع أن القوانين التركية للمجالس العسكرية لم تكن تبيح حضور محام عن المتهمين فقد جاء محاميان إنجليزيان هما مستر نابير ومستر برودلي، وبعد صدور الحكم بالإعدام استبدله الخديو عملا بنصيحة قنصل إنجلترا - ونصيحته عند توفيق أمر محترم - بالنفي المؤبد.
وكان لا بد لانسحاب الجنود الإنجليزية من أن تستريح إنجلترا إلى انتظام الجيش المصري انتظاما تطمئن معه إلى عدم تهديد الأمن مرة أخرى، وأن تطمئن إلى شيء آخر هو ألا تتعرض مصر لغزو دولة أخرى إياها غزوا يعرض قناة السويس إلى الخطر، وغير مرة أعلنت إنجلترا استعدادها للجلاء عن مصر وسحب جنودها منها متى اطمأنت إلى هذه الغايات، وهذه ثمان وأربعون سنة مضت منذ الاحتلال ولما تهتد الحكومة البريطانية - على الأقل - إلى ما يطمئنها على ألا تغزو مصر دولة أخرى أو أن تتعرض قناة السويس الدولية للخطر!
على أنها رأت في ذلك التاريخ وبعد مشورة اللورد دفرين أن تنظيم الحكم في البلاد على قاعدة العدل هو أقرب الوسائل لتحقيق الأغراض التي تريد أن تتحقق لتجلو عن وادي النيل، فأمرت، أستغفر الله، فنصحت أن يلغي توفيق قانون مجلس النواب ويستبدل به قانون مجلس الشورى والجمعية العمومية، وأخذت بيدها مقاليد مالية البلاد، ونحت فرنسا قدر المستطاع عنها، ودعت إلى عقد مؤتمر لاستبدال نظام التصفية بنظام آخر، وجعلت تتغلغل في شئون الحكم شيئا فشيئا حتى وضعت يدها على كل شيء وعلى توفيق من بين ما وضعت يدها عليه.
وسر توفيق بهذه الحال الجديدة واطمأن أشد الاطمئنان لها، بل لقد بلغ من إخلاصه لإنجلترا أن كان لا يكتم على ممثلها سرا من أسرار وزارته، روى أحد الذين حضروا ذلك العصر أن رياض باشا اتفق مع زملائه مرة على أن يعقدوا مجلس وزارة لا يحضره المراقب الإنجليزي كلما أرادوا النظر في شئون تعني مصر وحدها، وأبلغ رئيس الوزارة توفيقا هذا الخبر، ثم لم يكن بأكثر من دهشة رياض حين نبهه قنصل إنجلترا العام إلى أنه كان يعتقد فيه الصراحة، وروى له ما أخبر هو به الخديو من قبل.
ولم يكن يدور بخاطر توفيق شيء من أمر جلاء الجنود البريطانية عن مصر برغم إلحاح السياسة الفرنسية فيه بعد إذ رأت نفوذها في وادي النيل يتقلص، وكيف تريد توفيقا أن يؤيد السياسة الفرنسية وقد كانت منضمة للعرابيين ضده في ظروف كثيرة، وكانت تعطف على فكرة تعيين حليم باشا في منصب الخديوية ؟! وإذا فليصنع الإنجليز لتنظيم أمر البلاد ما يشاءون، ليقرروا ثلاثة ملايين من الجنيهات تعويضا لمن أصابهم ضرر من جراء فتنة الإسكندرية، وليوطدوا نظام الحكم الذي يرون توطيده في مصر، وليوفدوا إلى السودان ما يشاءون من الجيوش لقمع ثورة المهدي، وليقرروا الانسحاب من السودان وإخلاءه فيأبى رئيس وزارته شريف باشا ويقبل نوبار الوزارة والانسحاب - ليصنعوا بمصر ما شاءوا وليعينوا من الوزراء من شاءوا، فلن ينسى توفيق لهم فضل تثبيته على عرشه ولن يكون لهم إلا أخلص المخلصين.
ولعل ما كتبه لورد كرومر عن توفيق وخلقه خير ما يوضح لنا مبلغ اطمئنان توفيق للحالة الجديدة، حالة الاحتلال الإنجليزي، قال جنابه ما مؤداه:
ما أحسب خير أصدقاء توفيق يذهبون إلى أنه كان رجلا عظيما أو خديويا مثاليا، فالواقع أنه لم يكن من العظمة في شيء، ولقد كان مكتفيا بزوج واحدة فضرب بذلك مثلا صالحا لأهل بلاده، وكان أبا صالحا نشيطا معنيا بحسن تربية أولاده، وقد اشتهر بالتقوى ولكنه كان خلوا من أية ظاهرة للتعصب مما يصطبغ به أتقياء «المسلمين» ووصلت تقواه بينه وبين رعاياه المسلمين وكانت لذلك عاملا سياسيا له بعض الخطر، وكان بالقياس إلى من حوله مستقيما وفيا، وكان كأكثر أهل بلاده يخاف المسئولية ويجتهد ما استطاع ليلقي كل ما يقدر على إلقائه منها على أكتاف الآخرين، فكان يشكو من كثرة عدد الأوربيين في الحكومة المصرية، فإذا قصد إليه أوربي يلتمس منصبا أجابه بأنه يكون سعيدا لإجابة الطلب، ولكن سلطة بريطانيا تمنعه من السير بما يمليه عليه قلبه، وكان عديم النشاط يعوزه الابتكار، ولكنه كان إذا اضطر إلى أن يقر قرارا أبدى في غير قليل من الأحيان ما يدل على الكرامة وحسن التقدير وبعد النظر، وكان طيب القلب حتى يكاد في بعض الأحايين يبدي من الاعتراف بالجميل عما قدم إليه من خدمة ما يندر أن يكون من صفات حاكم شرقي، وكان يظهر أعمق المقت لكل أنواع التحكم والإرهاق والقسوة، ولم يكن أبدا مسئولا شخصيا عن عمل من هذه الأعمال ، وإن كان تباطؤه وإهماله قد اتاح ارتكاب كثير من الظلامات باسمه، ولم يكن متعلما تعليما عاليا، وقل أن قرأ كتابا، ولكنه كان يطلع على الصحف ويتحدث مع رجال من كل طراز ومكانة، وكان متوسطا في إدراك الحوادث التي تلقى إليه وفي تتبع المناقشة التي تحدث أمامه، أما من حيث حدة الذكاء فربما كان فوق متوسط أهل بلاده.
وإذا لم يكن عظيما في الرجال فهو لم يكن خديويا مثلا، فلو أنه كان رجلا قوي الإرادة سامي الخلق حاد الذكاء لوضع نفسه على رأس حركة الإصلاح في مصر، ولظهرت سلطته، ولما توقدت غيرة الإنجليز الذين كانوا موظفين في حكومته، على أنه مع ذلك كانت له الفضيلة السلبية أنه لم يكن ملوثا برذائل الحاكم الشرقي، وهو إذا لم يكن قد قام بالفعل بشيء في حركة إصلاح فكفاه أنه كان مغتبطا لقيام آخرين بدله بهذه الحركة، وهو إذا لم يكن قد ساق غيره في سبيل الخير فكفاه أنه اتبع الغير في هذا السبيل، وأشهد أني اقتنعت برأيه في أحيان أكثر من التي اقتنع هو فيها برأيي عند وجود خلاف بيننا.
وهذا الحكم يبين للقارئ السبب في أنا لم نقف بعد حوادث الثورة العرابية عند شيء من حياة توفيق، فقد كانت حياة عادية لا تتخللها الحوادث لأنه لم يكن له في الحوادث يد ولا تصريف، وبقي كذلك إلى أن توفي في سنة 1892 غير محمود ولا مذموم. •••
والآن فهل على توفيق تبعة في الحوادث الجسام التي حدثت أول أيام حكمه والتي أدت بمصر إلى موقفها الحاضر؟ هذا ما لا يصعب الجواب عليه، فعلى توفيق التبعة إذا كانت على إنسان تبعة ضعف نفسه واضطرابه بين قوى لا سلطان له عليها، وإنما التبعة أكبر التبعة على الحوادث التي أحاطت بتوفيق فكان لضعفه لا يملك تحويرها بما يتفق ومصلحة بلده، إنما التبعة على تركيا، وعلى فرنسا، وعلى إنجلترا، وعلى عرابي، وماذا يستطيع ضعيف قصير النظر كتوفيق أن يصنع بين هذه القوى جميعا إلا أن يترك نفسه يتقاذفه موج الحوادث ليصل بملكه وبلاده إلى ما وصلا إليه!
Bog aan la aqoon