Tafsir
تفسير صدر المتألهين
فقد ظهر وتبين أن للإنسان بعد أطوار الدنيا ومقاماتها مقامين أخرويين، أحدهما عند الموت، والآخر عند الرجوع.
أما المقام الأول، فحال الإنسان فيه كما قال يحيى بن معاذ الرازي: " يمر أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لا يعرفوني. وكأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما حيلتي ولا رجائي - إلهي - إلا أن تقول: ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا، وكان لي في الدنيا داعيا ومجيبا، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجيا، فاحسن إلي يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران.
وأما المقام الآخر، فكما قال بعضهم: " إلهنا - إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا من شدة الخوف شاحبة وجوهنا، من هول القيامة، مطرقة رؤوسنا، وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سؤآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين في أمورنا، نادمين على ذنوبنا، فلا تضعف المصائب علينا بإعراضك عنا، ووسع رحمتك ورضوانك وغفرانك [لنا] - يا عظيم الرحمة، ويا واسع المغفرة.
[2.29]
هذه الآية من أعظم الدلائل على شرف الإنسان، ومن أقوى الوسائل إلى معرفة الرحمن. أما دلالتها على شرفه فبوجهين:
أحدهما: ما وجهه المفسرون؛ وهو أنها بيان لنعمة أخرى بعد النعمة الأولى مرتبة عليها، فإن الأولى كانت خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم النوعي بعد الشخصي، ويتم به معاشهم المبتني عليه معادهم.
وما أحسن رعاية هذا الترتيب منه تعالى، فإن الإنتفاع بالأرض والسماء وما في كل منهما، إنما يكون بعد حصول الحياة، فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولا، ثم أردفه بذكر الأرض والسماء.
وقوله: { لكم } ، يدل على أن المذكور بعد قوله: { خلق } ، لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا، فلمصالح أبداننا، ولنتقوى على الطاعات، وأما في الدين، فللتفكر فيها، والتدبر في آيات الأرض والسماء، وعجائب فطرة الله فيهما، فهذا دال على فضيلة الإنسان حيث خلق الله لأجل انتفاعه وجميع ما في الأرض والسماء ، كما قال:
وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض
[الجاثية:13].
Bog aan la aqoon