631

ورابعها: إن الله إذا قال للعبيد: { كيف تكفرون بالله } احتجاجا عليهم، فلهم أن يقولوا: حصلت في حقنا أسباب كثيرة موجبة للكفر، أولها قضاؤك النافذ الحتم. وثانيها: قدرك اللازم. وثالثها: إرادتك. ورابعها: خلقك الكفر فينا، وخامسها: خلقت فينا قدرة عليه. وسادسها: إرادة موجبة له. وسابعها: حركة متوجهة إليه والايمان أيضا يتوقف على نظائر هذه الأسباب السبعة - وهي كلها مفقودة -، فقد حصل لعدم الايمان أربعة عشر سببا، كل منها مستقل بالمنع عن الايمان، فمع قيام هذه الأسباب الكثيرة، كيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون؟

وخامسها: إنه تعالى قال: كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم هذه النعم العظيمة مثل الحياة وما قبلها وما بعدها؟ وعلى قول الجبرية لا نعمة له عليهم، لأن كل ما فعله بهم، كان لاستدراجهم وسوقهم إلى النار جبرا وقهرا.

وهذا كمن قدم إلى رجل صحفة فالوذج مسموم، فإن ظاهره وإن كان لذيذا ويعد نعمة، لكن عند التحقيق، لا يعد نعمة لكونه مهلكا، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السم، فلا يكون لله نعمة على الكافر، فكيف يقول لهم: كيف تكفرون بمن أنعم عليكم هذه النعم العظيمة.

وأما الجوابين اللذين ذكرهما:

أحدهما: إن هذه الوجوه يرجع إلى التمسك بالحسن والقبح، والثواب والعقاب، فنحن أيضا نقابلها بأن الله علم أنه لا يكون، فلو وجد لانقلب علمه جهلا - وهو محال، ومستلزم المحال محال الوقوع - مع أنه قال: { كيف تكفرون }.

وثانيهما: إن القدرة على الكفر، إن كانت صالحة للإيمان، امتنع كونها مصدرا له إلا لمرجح، وذلك المرجح، إن كان من العبد، عاد السؤال، وإن كان من الله، امتنع حصول الكفر؛ وإذا حصل ذلك المرجح وجب؛ وعلى هذا كيف يعقل قوله: { كيف تكفرون }؟

قال: " واعلم أن المعتزلي إذا طول في الكلام، وفرع وجوهه على المدح والذم، فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين، فإنهما يهدما جميع كلماته، ويشوشان كل شبهاته ".

أقول: قد ظهر وتبين مرارا حال هذه المسئلة، وهي في غاية الوضوح والتنقيح والإنارة عند من جعله الله أهلا لها، وجعل له نورا يمشي به في الظلمات، وشرح صدره بنور الإسلام:

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء

[الأنعام:125].

Bog aan la aqoon