582

واعلم أن الكلام في صفاته تعالى طويل، وتحقيق عينيتها لذاته تعالى، أو غيريتها له تعالى، غامض دقيق، قد مرت إليه إشارة في المفاتيح الغيبية، وسيقع الرجوع إلى تحقيقها مرة بعد أخرى زيادة في التوضيح وإبلاغا في التذكير والتنقيح.

قوله جل اسمه: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ، يحتمل أن يكون جوابا ل " ماذا " على أنهما مصدران، أي: إضلال كثير وهداية كثيرة؛ وإنما وضع الفعل موضع المصدر، للإشعار بالحدوث والتجدد، فإنه لما حكى الله عنهم استحقارهم لكلام الله بقوله: { ماذآ أراد الله بهذا مثلا } أجاب عن ذلك بهذا القول .

ويحتمل أن يكون بيانا للجملتين المصدرتين ب " أما " ، وتسجيلا بأن العلم بكونه حقا هدى وبيان، والجهل به والإنكار لحسن مورده ضلال وإضلال، وكثرة كل من الفريقين في أنفسهم لا تنافي وصف المهتدين بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، كما قال تعالى:

وقليل من عبادي الشكور

[سبأ:13]. وربما قيل: " القليل من المهتدين عددا كثير في الشرف والفضيلة " ، فسموا بها ذهابا إلى الحقيقة؛ وكثرة الضالين من حيث العدد قلة لهم في الحقيقة.

عن ابن مسعود: " السواد الأعظم هو الواحد على الحق " ، فالمهتدون أكثر حقيقة لأنهم على الحق، والضالون على الباطل، فهم أقل حقيقة، وإن كانوا أكثر عددا كما قيل:

قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا

وقيل أيضا:

إن الكرام كثير في البلاد وإن

قلوا، كما غيرهم قل وإن كثروا

Bog aan la aqoon