Tafsir
تفسير صدر المتألهين
كلمة " من " الأولى إبتدائية، لأن المطر ابتداء نزوله من السماء.
فإن قلت: ليس الأمر كذلك، فإن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض إلى الطبقة الباردة الهوائية، فتتكاثف بسبب البرد هناك، وتنزل بعد اجتماع قطرات بسبب الثقل.
قلنا: إن أريد ب " السماء " ما اشتق من " السمو " ، فذاك، فإن ما علاك فهو سماك، فكل ما نزل من السماء فقد نزل من السماء؛ وإن أريد بها " الفلك " ، فلأن أسباب حدوث الأمطار وغيرها، إنما تنبعث من أمور سماوية وأنوار كوكبية، تقع بحركتها، على مواضع من الأرض والبحار، فتثير الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض وأطراف البحر إلى جو الهواء، فيعقد هناك سحابا ماطرا.
و " من " الثانية للتبعيض، بدليل قوله تعالى:
فأخرجنا به ثمرات
[فاطر:27]. ولأن المكتنفين به - أعني " ماء " و " رزقا " - منكران، والتنكير يفيد البعضية، فكأنه قال: " وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم " ، والواقع هكذا، إذ لم ينزل من السماء كل الماء، ولا أخرج بالمطر كل الثمر، ولا جعل الثمرات كل أنحاء المرزوق - فإن من الرزق ما هو غيرها -.
ويحتمل التبيين، ويكون " رزقا " مفعولا بمعنى " المرزوق " ، كقولك: " أنفقت من الدراهم ألفا " وعلى الأول كان مصدرا، انتصابه بأنه مفعول له.
وإنما لم يقل: " الثمر " و " الثمار " - جمع الكثرة - والموضع موضعها تنبيها على قلة ثمار الدنيا، واشعارا بتعظيم نعيم الآخرة، أو أنه أراد بالثمرة جماعة الثمرة، كما في قولك: " أدركت ثمرة بستانه " ، ويؤيده قراءة من قرء " الثمرة " - على التوحيد -، أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، كقوله تعالى:
كم تركوا من جنات
[الدخان:25]. وقوله:
Bog aan la aqoon