438

قال أبو علي بن سينا في بعض رسائله: " القوة العقلية، إذا اشتاقت إلى شيء، وهو الصورة المعقولة، تضرعت بالطبع إلى المبدء الواهب، فإن ساحت عليها على سبيل الحدس، كفت المؤنة، وإلا فزعت إلى حركات من قوى أخرى من شأنها أن تعدها لقبول الفيض لتأثير ما مخصوص بالنفس منها، ومشاكلة بينها وبين شيء من الصور التي في عالم الفيض؛ فيحصل لها بالاضطراب ما كان لا يحصل بالحدس " انتهى كلامه.

وخامسها: وهو قول من سلم أن النظر في الجملة يفيد العلم، لكن النظر في الإلهيات لا يفيد، واحتج بوجهين:

الأول: إن حقيقة الإله غير متصورة فاستحال التصديق بثبوته، أو ثبوت صفة من صفاته، لأن التصديق بشيء يتوقف على تصور موضوعه.

والثاني: إن أظهر الأشياء عندنا حقيقتنا التي نشير إليها ب " أنا " ، ثم الناس تحيروا في ماهية هذا المشار إليه بقولي: " أنا " ، فمنهم من يقول: " هو هذه البنية " ، ومنهم من يقول: " هو المزاج " ، ومنهم من يقول: " بعض الأجزاء الداخلية في البنية " ، ومنهم من يقول: " لا داخل البدن ولا خارجه " ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك، فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا كالباري وصفاته؟!

والجواب عن الأول: إن ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له، لكنها متصورة بحسب لوازمها الخاصة - ككونه واجب الوجود، ومبدء سلسلة الممكنات - فيظهر لنا من النظر في الممكنات بالبرهان، افتقارها إلى مبدء وحداني الذات، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام، فنحكم على هذا المتصور بأنه كذا - إلى سائر الصفات والأفعال -، وهذا القدر يكفي للتأمل في صفاته وآلائه، ثم ينجر إلى زيادة الكشف، وتصير هذه المعرفة بذر المشاهدة في الآخرة.

وعن الثاني: إن النفس وإن كانت أظهر الأشياء عندنا وجودا لكنها - ونحن في دار البدن، وظلمة الطبيعة، وغشاوة شواغل الدنيا -، أخفى الأشياء علينا حقيقة؛ لأن هذه الحجب وقعت بيننا وبين أنفسنا، وحجاب الشيء عن نفسه، أصعب من حجابه عن غيره، لأن الإنسان إذا نسي غيره يمكنه الاسترجاع له، وإذا نسي ذاته لا يمكنه الاسترجاع لها.

وربما يجاب عن هذه الوجوه ونظائرها؛ بأن الوجوه التي ذكروها ليست ضرورية بل نظرية؛ فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه، وهو متناقض.

المقام الثاني: إن تحصيل العلم غير مقدور لنا بوجوه:

الأول: تحصيل التصورات غير مقدور، فالتصديقات البديهية غير مقدورة، فجميع التصديقات غير مقدورة.

أما الأول: لأن طالبها إن كان عارفا بها، استحال طلبها، لكونه تحصيلا للحاصل، وإن كان غير عارف بها، فكذلك، لكون الطلب فعلا اختياريا لا بد فيه من تصور المطلوب، والجواب بكونه معلوما من وجه مجهولا من وجه، غير مفيد، لأن الوجه الذي يصدق عليه انه معلوم، غير الذي يصدق عليه انه مجهول، لاستحالة صدق النفي والإثبات على شيء واحد، فيعود المحذورات عليها.

Bog aan la aqoon