412

فكما أن الله خلق للشفاء سببا مفضيا إليه، فكذلك للسعادة الأخروية سببا وهو الطاعة، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق، ورذائل الأخلاق مشقيات للنفس، مهلكات في الآخرة، كما أن رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة، كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا، وللنفوس طبيب كما أن للأجساد طبيبا، والأنبياء عليهم السلام أطباء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب، كما قال تعالى:

قد أفلح من زكها وقد خاب من دسها

[الشمس:9 - 10].

ثم نقول: إن المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض، فبالحقيقة لم يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة، بل لأنه سلك غير طريق الصحة الذي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى التي أشار إليها قوله تعالى: { لعلكم تتقون } هي الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها، وأمراض القلوب تفوت حياة الآخرة، كما تفوت أمراض الأجساد حياة الدنيا.

فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف، فإن الطاعات أدوية نافعة، والمعاصي سموم ناقعة، وتأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. كما لا يسعد ههنا إلا من أتى بمزاج معتدل، وكما يصح قول الطبيب للمريض: " قد عرفتك ما يضرك وما ينفعك، فإن وافقتني فلنفسك، وإن خالفتني فعليها " ، كذلك قال تعالى:

من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها

[الإسراء:15].

وأما العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات، فليس ذلك من الله غضبا وانتقاما على نحو غضبنا وانتقامنا، بل لأنه رتب الأسباب على المسببات، فخلق نفس الإنسان على وجه تكملها وتنجيها الفضائل، وتهلكها وتشقيها الرذائل، والله تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، والإرواء من غير شرب، والإنشاء للولد من غير مضاجعة ووقاع، ولكن قد رتب الأسباب والمسببات لحكمة خفية لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم.

هذا ما ذكره بعض العلماء، وبه يخرج الجواب أيضا عن الشبهة الثالثة لمنكري التكاليف.

المسئلة الخامسة

Bog aan la aqoon