315

والخامس: ما يتساوى فيه الأمران. وذات الواجب الخير، لما لم يجز أن يصير مبدءا للشرور، وجب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلا قسمان، أي الأول الذي لا شرية فيه، والقسم الثالث الذي خيريته غالبة على شريته، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

فنقول: الثنوية القائلة بأن الله لا يصير مبدءا لما فيه شر، أمكن إلزامهم، وقد تفاخر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقب عندهم بالمعلم الأول بذلك الكلام.

فإن قال قائل: انه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خير محض مبرأ عن الشر؟

فيقال: إن هذا لم يكن جائزا في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين، وإن كان جائزا في الوجود المطلق، على أنه ضرب منه غير هذا الضرب، وذلك مما قد فاض عنه تعالى: كالموجودات العلوية، والملائكة السماوية، والنفوس الشريفة، والعقول القادسة، وبقي هذا النمط في الإمكان، ولم يمكن ترك ايجاده لأجل ما يخالطه من الشر، لما علمت من أن تركه شر الشرين، فكونه خير الشرين فالكل من عند الله.

وقد مر في المفاتيح انه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالم مظاهر جميع الصفات الإلهية، فلا بد لكل من الوصفين المتقابلين من مظهر، فالكفر ونتائجه ومباديه: كالشياطين ومن ضاهاهم من الأشرار، مظاهر القهر والغضب، والإيمان ونتائجه ومباديه: كالملائكة ومن والاهم من الأخيار، ومظاهر اللطف والمحبة. ثم لا اعتراض في تخصيص كل بما يخصه، لأن هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد.

فإن قلت: ما ذكرته من التوحيد في الأفعال متحقق ظاهر مهما ثبت ان الوسائط والأسباب مسخرات، وكل ذلك ظهر إلا في أفاعيل الإنسان وحركاته، فإنه يتحرك إن شاء، ويسكن إن شاء، فكيف يكون مسخرا في فعله؟

فنقول: اعلم أنه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء، ولا يشاء إن لم يشأ، لكان هذا مزلة القدم وموضع الغلط، ولكن علمته أنه يفعل إذا شاء، وما يشاء يشاء، شاء أم لم يشأ فليست المشية إليه إذ لو كانت إليه لافتقرت الى مشيئة أخرى وتسلسل الأمر الى غير النهاية، وإذا لم تكن المشية اليه، بل مهما وجدت المشية التي شأنها تصريف القدرة الى مقدورها، انصرفت القدرة لا محالة؛ ولم يكن لها سبيل الى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، والقدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية، والمشية تحدث ضرورة في القلب، فهذه ضروريات مترتبة بعضها على بعض، وليس للعبد أن يدفع وجود المشية، ولا انصراف القدرة وانبعاثها الى المقدور بعدها، ولا وجود بعث المشية للقدرة، فهو مضطر في الجميع.

فإن قلت: فهذا جبر محض، والجبر يناقض الاختيار، وأنت لا تنكر الاختيار وكونه سببا للفعل، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من غير أن يكون سببية، وهو المسمى عندهم بالكسب.

قلت: لو انكشف لك الغطاء، لعرفت أن الإنسان في عين الاختيار مجبور، فهو إذن مجبور على الاختيار، وأنه مضطر في صورة مختار. وهذا كما ورد في الحديث الذي مر ذكره عن الصادق (عليه السلام): " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " وهذا معنى ما قيل: الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكده، يعني: أن الاضطرار في الاختيار يؤكد وجود الاختيار؛ لأن الشيء ما لم يجب وجوده لا يوجد، فالاختيار أيضا من جملة الأشياء الممكنة التي في وجودها أن تصير أولا واجبا حتى تتحقق، وإذا وجب الاختيار حتى يوجد، فقد سبقه الاضطرار المؤكد لوجوده.

وإن أردت أن تفهم معنى الاختيار؛ - فإن أكثر الناس جاهلون بمعناه - فلنشرح إياه شرحا وجيزا فنقول: لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة أوجه، إذ يقال: الإنسان يكتب بالإصبع، ويتنفس بالرئة والحنجرة، ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالم - عالم الشهادة - وله ضروب أخرى من الفعل في عالم الغيب، ليس هذا المقام موضع بيانه ، فإذن ينسب اليه ها هنا الخرق في الماء، والتنفس والكتابة، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد، ولكنها تختلف وراء ذلك في أمور أخرى، فأعرب لذلك عنها بعبارات ثلاث: فسمي خرقه للماء - عند وقوعه على وجهه - فعلا طبيعيا، وسمي تنفسه فعلا إراديا، وسميت كتابته فعلا اختياريا، والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي، لأنه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة، فيكون الخرق بعد التخطي من سطع الماء الى الماء ضروريا، والتنفس في معناه، فإن نسبة حركة الحنجرة الى ارادة التنفس كنسبة خرق الماء الى ثقل البدن، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده، وليس الثقل اليه، فكذلك ليست الإرادة، ولذلك إذا قصد عين الإنسان بابرة طبق الأجفان بالاضطرار، ولو أراد أن يتركها مفتوحة لا يقدر، مع ان تغميض الأجفان فعل إرادي، لأنه مسبوق بشعور وإرادة، ولكنه إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك، حديث الإرادة للتغميض ضرورة، وحدثت الحركة بها، ولو أراد أن يترك، لم يقدر عليه مع انه فعل بالقدرة والإرادة، فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريا.

Bog aan la aqoon