Tafsirka Cabdulqaadir Jeylaani
تفسير الجيلاني
{ إن يشأ } سبحانه { يسكن الريح } المجرية لهن { فيظللن } ويبقين تلك السفن حينئذ { رواكد } سواكن { على ظهره } أي: ظهر البحر ولججه، فضاع جميع من فيها وما فيها { إن في ذلك } الإجراء والإرسال { لآيات } دلائل واضحات على تولية الحق وتدبيره { لكل صبار } حبس نفسه في مقام الرضا بما قسم له ربه { شكور } [الشورى: 33] بما ظهر عليه من آله ونعمائه.
{ أو } إن يشأ يرسلهن إرسالا عنيفا بالرياح العاصفة حتى { يوبقهن } أي: يغرقهن، ويهلك بعض من فيهن { بما كسبوا } أي: بشؤوم أعمالهم التي اقترفوها من البخل والحسد والحرص المفرط والأمل الطويل، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة { ويعف عن كثير } [الشورى: 34] أي: ومع ذلك يتجاوز سبحانه عن إهلاك أكثرهم، وينجيهم من ورطة الهلاط بحسن أعمالهم وخلوص نياتهم تفضلا منه سبحانه إياهم وتكريما لهم.
كل ذلك ليختبر سبحانه عباده، وينتقم عنهم، ويميز منهم أهل الرضا والتسليم عن غيرهم { ويعلم الذين يجادلون } أي: وليعلم المجادلون المكابرون { في آياتنا } ومقتضياتها عنادا وعدوانا { ما لهم من محيص } [الشورى: 35] مهرب ومخلص من عذابنا إن تعلقت إرادتنا بانتقامهم وإهلاكهم.
وإن استظهر أهل الجدال بالأموال والأولاد، واستكبروا بها وافتخروا عليها، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: { فمآ أوتيتم } وأعطيتم { من شيء } حقير قليل، ما هي إلا من حطام الدنيا ومتاعها { فمتاع الحياة الدنيا } فانية بفنائها، تتمتعون بها فيها مدة يسيرة، ثم تمضون مع حسرة كثيرة وندامة طويلة { وما عند الله } من اللذات الروحانية والكرامات المعنوية { خير } من الدنيا وما فيها، بل من آلافها وأضعافها { وأبقى } أقدم وأدوم { للذين آمنوا } بوحدة الحق وانكشفوا بكمالات أسمائه وأوصافه، وتحققوا بشهود شئونه وتجلياته { و } هم بعدما تمكنوا في مقام الرضا والتسليم، وتوطنوا في أعظم سواد الفقر، وأعلى درجات عالم اللاهوت { على ربهم } لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية { يتوكلون } [الشورى: 36] يوفضون أمورهم ويسلمون، غاضبين عيون بصائرهم وأبصارهم عن الالتفات إلى ما سوى الحق مطلقا، لذلك ما يرون بنوره من مرايا مظاهره ومجاليه إلا لمعات وجهه الكريم.
[42.37-42]
{ و } بالجملة: { الذين يجتنبون كبائر الإثم } وهي الآثام والجرائم المؤديان إلى الشرك الجلي والخفي { والفواحش } أي: الصغائر المنتهية إلى الكبائر بالرسوخ والإصرار { و } أيضا ومن جملة أخلاق هؤلاء المؤمنين المحسنين { إذا ما غضبوا هم يغفرون } [الشورى: 37] يبادرون إلى العفو والستر، وكظم الغيظ، وإصلاح البين، وإخراج الغل والحقد عن نفوسهم.
{ والذين استجابوا } أي: أجابوا، وقبلوا دعوة من دعاهم إلى الطاعات والعبادات ومطلق الخيرات والحسنات، لا لغرض دنيوي بل { لربهم } طلبا لمرضاه وهربا عن سخطه وانتقاماته { و } مع ذلك { أقاموا الصلاة } أي: أداموا الميل والرجوع إلى الله في جميع حالاتهم { أمرهم } أي: عموم أمورهم المتعلقة لمعاشهم ومعادهم { شورى بينهم } أي: هم متشاورون فيها مع إخوانهم، بلا استبدادهم لهم فيها برأيهم ولا انفراد بعقلهم { و } من معظم أخلاقهم أنهم { مما رزقناهم } أي: أبحنا لهم وأضفنا إليهم من الرزق الصوري { ينفقون } [الشورى: 38] في سبيلنا للفقراء والمساكين، طالبين منا مرضاتنا ومثوباتنا.
{ و } من جملة أخلاقهم وأجلها: إنهم هم { الذين إذآ أصابهم } ولإخوانهم في الدين { البغي } والعدوان من بغي باغ ظالم وعدو عاد { هم ينتصرون } [الشورى: 39] يبادرون إلى الغلبة والانتصار غيرة على الله، وحمية لحمى حدوده الموضوعة على مقتضى العدالة القويمة الإلهية عن الظلم والعدوان، وإظهارا لما أودع الحق فيهم من فضيلة خصلة الشجاعة المحمودة عند الله، وعند عموم أرباب المروءة من الأنبياء والأولياء؛ إذ كلا طرفيها وهما الجبن والتهور، مذمومان عقلا وشرعا، والشجاعة المقتصدة بينهما محمودة جدا.
ثم قال سبحانه تعليما لعابده طريق هدايته ورشاده: { وجزآء سيئة } أصابتك من أحد من بني نوعك { سيئة مثلها } لا أزي منها؛ أي: إذا أساءك أحد بسيئة، فأنت أيها المكلف تسيئه بمثلها جزاء وعقوبة، سمى الجزاء سيئة؛ للازدواج والمشاكلة، هذا بحسب الرخصة الشرعية، وأما بحسب العزيمة { فمن عفا } وتجاوز عن الجاني والمسيء خالصا لوجه الله وطلبا لمرضاته { وأصلح } بالصلح والإحسان ما أفسده بالجناية والإساءة { فأجره } قد وقع { على الله } وجزاؤه مفوض إلى كرمه يجازيه بمقتضى فضله وجوده ما شاء الله، وبالجملة: { إنه } سبحانه بمقتضى عدالته الذاتية { لا يحب الظالمين } [الشورى: 40] المجاوزين عن الحدود الإلهية سيما في العقوبات والجنايات.
{ ولمن انتصر } وغلب على الظالم { بعد ظلمه } أي: بعدما ظلم منه منتقما عليه { فأولئك } المنتصرون المنتقمون { ما عليهم من سبيل } [الشورى: 41] بالمعاتبة والمعاقبة؛ لأنهم منتقمون بالرخصة الشرعية.
Bog aan la aqoon