Tafsirka Cabdulqaadir Jeylaani

تفسير الجيلاني

Gobollada
Turkmenistan
•
Imbaraado iyo Waqtiyo
Seljuq

[1 - سورة الفاتحة]

[1.1-7]

{ بسم الله } المعبر بها عن الذات الأحدية، باعتبار تنزيلها عن تلك المرتبة؛ إذ لا يمكن التعبير عنها باعتبار تلك المرتبة أصلا، وباعتبار شمولها وإحاطتها جميع الأسماء والصفات الإلهية المستندة إليها المظاهر كلها المعبر عنها عند أرباب المكاشفة بالأعيان الثابتة، وفي لسان الشرع باللوح المحفوظ والكتاب المبين { الرحمن } المعبر بها عن الذات الأحدية باعتبار تجلياتها على صفحات الأكوان وتطوراتها في ملابس الوجودب والإمكان، وتنزيلها عن المرتبة الأحدية إلى مراتب العددية، وتعيناتها بالتشخيصات العلمية والعينية وانصباغها بالصبغ الكيانية { الرحيم } [الفاتحة: 1] المعبر بها عن الذات الأحدية باعتبار توحيدها بعد تكثيرها، وجمعها بعد تفريقها، وطيها بعد نشرها، ورفعها بعد خفضها، وتجريدها بعد تقييدها.

{ الحمد } والثناء الشامل لجميع المحامد والأثنية الصادرة عن ألسنة ذرائر الكائنات المتوجهة نحو مبدعها طوعا، المعترفة بشكر منعمها حالا ومقالا، أزلا وأبدا، ثابتة مختصة { لله } أي: للذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات المظهرة المريبة للعوالم، وما فيها بأسرها لكونه { رب العالمين } [الفاتحة: 2] ولولا تربيته إياها وإمداده لها طرفة لفني العالم دفعة.

{ الرحمن } المبدئ المبدع لها في النشأة الأولى بامتداد ظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا على مرآة العدم المنعكسة منها العالم كله وجزءه، شهادته وغيبه، أولاه وأخراه وأجزاءه بلا تفاوت { الرحيم } [الفاتحة: 3] المعيد للكل في النشأة الأخرى بطي سماه الأسماء وأرض الطبيعة السفلى إلى ما منه الابتداء وإليه الانتهاء لكونه:

{ ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] والجزاء المسمى في الشرع بيوم القيامة، والطامة الكبرى المندكة فيها الأرض والسماء المطويات فيها سجلات الأولى والأخرى في الأرض؛ إذ فيها ارتجت الآراء والأفكار وارتفعت الحجب والأستار، واضمحلت أعيان السوى والأغيار، ولم يبق إلا الله الواحد القهار، ثم لما تحقق العبد في هذا المقام، ووصل إلى هذا المرام، وفوض الأمور كلها إلى الملك العلام القدوس السلام حق له أن يلازم ربه ويخاطب معه بلا ستر ولا حجاب، تتميما لمرتبة العبودية إلى أن يرتفع كاف الخطاب عن البين، وينكشف الغين عن العين، وعند ذلك قال لسان مقالة مطابقا بلسان حاله:

{ إياك } لا إلى غيرك؛ إذ لا غير في الوجود معك { نعبد } نتوجه ونسلك على وجه التذلل والخضوع؛ إذ لا معبود لنا سواك ولا مقصد إلا إياك { وإياك نستعين } [الفاتحة: 5] أي ما نطلب الإعانة والإقدار على العبادة لك إلا منك؛ إذ لا مرجع لنا غيرك.

{ اهدنا } بلطفك { الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6] الذي يوصلنا إلى ذروة توحيدك.

{ صراط الذين أنعمت عليهم } من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا { غير المغضوب عليهم } من المرتدين الشاكين، المنصرفين بمتابعة العقل المشوب بالوهم عن الطريق المستبين.

{ ولا الضآلين } [الفاتحة: 7] بتغريرات الدنيا وتسويلات الشياطين عن منهج الحق ومحجة اليقين.

Bog aan la aqoon

آمين: إجابة منك يا أرحم الراحمين.

خاتمة السورة

عليك أيها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات - يسر الله أمرك - أن تتأمل في الأبجر السبعة المشتمل بهذا السبع المثاني في القرآن العظيم، المتفرعة على الصفات السبع الذاتية الإلهية، الموافقة للسماوات السبع والكواكب السبعة الكونية، وتدبر فيها حق التدبر، وتتصف بما رمز فيها تتخلص من الأودية السبعة الجهنمية، المانعة من الوصول إلى جنة الذات المستهلكة عندها جميع الإضافات والكثرات ولا يتيسر لك هذا التأمل والتدبر إلا بعد تصفية ظاهرك بالشرائع النبوية والنواميس المصطفوية المستنبطة من الكلم القرآنية، وباطنك بعزائمه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم المقتبسة من حكمها المودعة فيها، فيكن القرآن الجامع له خلق النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، المورث له من ربه المستخلف له.

فالقرآن خلق الله المنزل على نبيه، من تخلق به فاز بما فاز، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

" تخلقوا بأخلاق الله "

وهي التي ذكرت في القرآن، والفاتحة منتخبة من جميع القرآن على أبلغ وجه وأوضح بيان، من تأمل فيها نال ما نال من جميع القرآن، لذلك فرض قراءتها عند الميل والتوجه إلى الذات الأحدية المعبر عنه بلسان الشرع، بالصلاة التي هي معراج أهل الاتجاه، كما قال صلى الله عليه وسلم:

" الصلاة معراج المؤمن "

، وقال أيضا:

لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب

فعليك أيها المصلي المتوجه إلى الكعبة الحقيقة والقبلة الأصلية أن تواظب على الصلوات المفروضة المقربة إليها، وتلازم الحكم والأسرار المودعة في تشريعها ، بحيث إذا أردت الميل إلى جنابه والتوجه نحو بابه لا بد لك أولا من التوضؤ والتطهر عن الخبائث الظاهر والباطنة كلها، والتخلي عن اللذات والشهوات برمتها إلى حيث تيسر لك التحريمة بلا وسوسة شياطين الأهواء المظلة.

Bog aan la aqoon

فإذا قلت مكبرا محرما على نفسك جميع حظوظك من دنياك: الله أكبر، لا بد لك أن تلاحظ معناه بأنه: الذات الأعظم الأكبر في ذاته لا بالنسبة إلى الغير؛ إذ لا غير، وافعل هذا للصفة لا للتفضيل وتجعلها نصيب عينيك وعين مطلبك ومقصدك.

وإذا قلت قلت متيمنا متبركا: بسم الله، انبعثت رغبتك إليه ومحبتك له.

وإذا قلت: الرحمن، استنشقته من النفس الرحماني ما يعينك على الترقي نحو جنابه.

وإذا قلت: الرحيم، استروحت بنفحات لطفه ونسمات رحمته، وجئت بمقام الاستئناس معه سبحانه بتعديد نعمه على نفسك.

وإذا قلت شاكرا لنعمه: الحمد لله، توسلت بشكر نعمه إليه.

وإذا قلت: رب العالمين، تحققت بإحاطته وشموله وتربيته على جميع الأكوان.

وإذا: قلت الرحمن، رجوت من سعة رحمته وعموم إشفاقه ومرحمته.

وإذا قلت: الرحيم: نجوت من العذاب الأليم الذي هو الالتفات إلى غير الحق، ووصلت إليه بعدما فصلت عنه بل اتصلت.

وإذا قلت: مالك يوم الدين، قطعت سلسلة الأسباب مطلقا، وتحققت بمقام الكشف الشهود وحين ظهر لك ما ظهر، فلك أن تقول في تلك المقام والحالة بلسان الجمع: إياك نعبد، بك مخاطبين لك وإياك نستعين بإعانتك مستعينين منك.

وإذا قلت: اهدنا الصراط المستقيم، تحققت بمقام العبودية.

Bog aan la aqoon

وإذا قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، تحققت بمقام الجمع.

وإذا قلت: غير المغضوب عليهم، استوحشت من سطوة سلطنة صفاته الجلالية.

وإذا قلت: ولا الضالين، خفت من الرجوع بعد الوصول.

وإذا قلت: آمين، أمنت من الشيطان الرجيم.

فلك أن تصلي على الوجه الذي تلي، حتى تكون لك صلاتك معراجا إلى ذروة الذات الأحدية ومرقاة إلى السماء السرمدية، ومفتاحا للخزائن الأزلية الأبدية، وذلك لا يتيسر إلا بعد الموت الإرادي من مقتضيات الأوصاف البشرية، والتخلق بالأخلاق المرضية والخصال السنية، ولا يحصل لك هذا الميل إلا بعد العزلة والفرار عن الناس المنهمكين في الغفلة، والانقطاع عنهم وعن وسوستهم وعاداتهم المرة، وإلا فالطبيعة سارقة والأمراض سارية والنفوس آمرة بالهوى، مائلة عن المولى، عصمنا الله من شرورها وخلصنا من غرورها بمنه وجوده.

[2 - سورة البقرة]

[2.1-5]

{ الم } [البقرة: 1] أيها الإنسان الكامل، اللائق لخلافتنا، الملازم لاستشكاف أسرار ربوبيتنا كيفية بركات هويتنا الذاتية السارية على صفائح المكونات، المنتزعة عنها والمأخوذة منها.

{ ذلك الكتاب } الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المتعبد درجة كماله عن إفهام الجامع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة، المنزل على مرتبتك يا أكمل الرسل، الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل إلى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلا { لا ريب فيه } بأنه منزل من عندنا لفظا ومعنى:

أما لفظا: فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة أقصر آية منه مع وفور دواعيهم.

Bog aan la aqoon

وأما معنى: فلا شتماله على جميع أحواله الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين، ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع إلا لمن هو علام الغيوب.

وإنما أنزلناه إليك أيها اللائق لأمر الرسالة والنيابة، لتهتدي به أنت إلى بحر الحقيقة، وتهدي به أيضا من تبعك من التائهين في بيداء الضلالة؛ إذ فيه { هدى } عظيم { للمتقين } [البقرة: 2] الذين يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة من الطهارة الحقيقية والوصول إلى المرتبة الإصلية.

و { الذين يؤمنون } يوقنون ويذعنون بأسراره ومعارفه { بالغيب } أي: غيب الهوية الذي هو ينبوع بحر الحقيقة وإليه منتهى الكلم، وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامه نحوه، ويهدون إليه بسببه { ويقيمون } يديمون { الصلوة } الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل إلى جنابه؛ إذ هو المقصد للكل إجمالا وتفصيلا، ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه، يرشدك إلى تفاصيل الطرق، فعله صلى الله عليه وسلم في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ولما تنبهوا له به بمتابعته ومالوا نحو جنابه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل إلى ما سواه من المزخرفات الفانية لذلك { ومما رزقناهم } سقنا إليهم ليكون بقيا لحياتهم ومقوما لمزاجهم { ينفقون } [البقرة: 3] في سبيلنا طلبا لمرضاتنا وهربا عما يشغلهم عنا، فكيف إنفاق الفواضل؟.

{ والذين يؤمنون } ينقادون ويمتثلون { بمآ أنزل إليك } من الكتاب الجامع أسرار جميع ما أنزل من الكتاب السالفة على الوجه الأحسن الأبلغ، ومن السنن ومن الأخلاق الملهمة إليك { و } مع ذلك صريحا يعتقدون { مآ أنزل من قبلك } من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين مع الإيمان بجميع الكتب المنزلة، وإن كان كل كتاب متضمنا للإيمان بالنشأة الآخرة بل هو المقصود الأصلي من جميعها { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أفردها بالذكر؛ اهتماما بشأنها لكثرة المرتابين فيها.

{ أولئك } أي: جزاء أولئك المؤمنون المتعقدون بجميع الكتب المنزلة على الرسل، والمؤمنون المذعنون بالنشأة الآخرة بل خاصة أنهم { على هدى } عظيم { من ربهم } الذي رباهم بأنواع اللطف والكرم إلى أن يبلغوا إلى هذه المرتبة التي هي الاهتداء إلى جانب قدسه { و } مع ذلك الجزاء العظيم والنفع الجسيم { وأولئك } السعداء { هم المفلحون } [البقرة: 5] الفائزون، الناجون عن مضائق الإمكان الواصلون إلى فضاء الوجوب، رزقنا الله الوصول إليه.

[2.6-10]

ثم قال سبحانه جريا، بل على مقتضى سنته من تعقيب الوعد بالوعيد: { إن الذين كفروا } ستروا الحق وأعرضوا عنه، وأظهروا الباطل وأصروا عليه عنادا واستكبارا، لا ينفعهم إنذارك وعدمه بل { سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [البقرة: 6] بك وبكتابك؛ لأنهم هم.

{ ختم الله } المحيط بذواتهم وأوصافهم وأفعالهم { على قلوبهم } لئلا يكونوا من أرباب المكاشفات { وعلى سمعهم } لئلا يكونوا من أصحاب المجاهدة { وعلى أبصرهم } لئلا يكونوا من أرباب المشاهدة { غشاوة } ستر عظيم لا يمكنك رفعه بل { ولهم عذاب عظيم } [البقرة: 7] هو عذاب الطرد والبعد؛ إذ لا عذاب أعظم منه، أولئك الأشقياء البعداء عن ساحة الحضور، هم الضالون في تيه الحرمان، الباقون في عظلمة الإمكان، أعاذنا الله من ذلك.

{ ومن الناس } الذين نسوا العهود السابقة التي عهدوا في الفطرة الأصلية { من يقول } قولا لا يوافق اعتقادهم، وهو أنهم يقولون تلبيسا ونفاقا: { آمنا } أذعنا { بالله } أي : الذي أنزل علينا الكتاب وإنك الرسول { و } وأيقنا { باليوم الآخر } الموعود بجزاء الأعمال { و } الحال أنهم { ما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] موقنين بهما في بواطنهم، بل غرضهم من هذا التلبيس في زعمهم الفاسد أنهم:

{ يخادعون الله } المحيط بجميع أحوالهم مخادعتهم مع آحاد الناس، تعالى عن ذلك { و } يخادعون الموحدين { الذين آمنوا } بإحاطة الله بتوفيقه وإلهامه؛ حفظا لدمائهم وأموالهم منهم { و } هم { ما يخدعون } بهذا الخداع { إلا أنفسهم } لأن الله ومن هو في حمايته أجل من أن ينخدع منهم، فهم بهذا الخداع ما يخدعون إلا أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] بخداعهم؛ لأن:

Bog aan la aqoon

{ في قلوبهم مرض } غطاء مختوم على قلوبهم لا ينكشف إلا بكتاب الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يؤمنوا به ولم يلتفتوا إليه بل كذبوا رسوله المنزل عليهم { فزادهم الله مرضا } إحكاما لختمه وتأكيدا لحكمه { ولهم } في يوم الجزاء { عذاب } هو إبعادهم وطردهم عن ساحة عز الحضور { أليم } مؤلم بسبب تقريب المؤمنين إلى دار السرور جزاء { بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10] ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم خداعا.

[2.11-16]

{ و } مع ظهور حالهم وخداعهم عند الله وعند المؤمنين { إذا قيل لهم } إمحاضا للنصح: { لا تفسدوا في الأرض } بتكذيب كتاب الله ورسوله المنزل عليه حتى لا يخرجوا من مرتبة الخلافة؛ لأن خلافة البشر إنما هي بالتوحيد وإسقاط الإضافات، والتوحيد إنما يحصل بالله وبكتابه ورسوله { قالوا } في الجواب على سبيل الحصر: { إنما نحن مصلحون } [البقرة: 11] لا نتجاوز من الصلاح أصلا تتميما لخداعهم الفاسد، وترويجا له على المؤمنين وتلبيسا.

{ ألا } أيها المؤمنون الموقنون بكتاب الله المصدقون لرسوله { إنهم هم المفسدون } المقصرون على الفساد، لا يرجى صلاحهم أصلا؛ لكونهم مجبولين على الفساد { ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12] بمشاعرهم لغشاوة قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم.

{ و } إذا لطف معهم ونصح كما هو دأب الأنبياء والمرسلين و { إذا قيل لهم آمنوا } بالله وبكتابه ورسوله { كمآ آمن الناس } الذين نسوا مزخرفات آبائهم بالإيمان بالله وبكتابه ورسوله، وفازوا في الدارين فوزا عظيما بسبب الإيمان { قالوا } في الجواب توبيخا وتقريعا: { أنؤمن } بهذا الرجل الحقير الساقط، وبهذه الأساطير الكاذبة ونترك دين آبائنا { كمآ آمن السفهآء } التاركون دين آبائهم لغرور هذا المدعي المفتري؟ { ألا } أيها المبعوث لإهداء المضلين المجبولين على الهداية في أصل فطرتهم { إنهم هم السفهآء } المجبولون على الغوية في بدء الفطرة لا يمكنك هدايتهم أصلا؛ لعدم قابليتهم واستعدادهم للإيمان { و } إن ظنوا في زعمهم من العقلاء { لكن لا يعلمون } [البقرة: 13] أصلا لتركب جهلهم المركوز في جبلتهم، فيسلب قابليتهم للإيمان.

{ و } علامة نفاق هؤلاء المضلين وخداعهم أنهم { إذا لقوا الذين آمنوا } بالله وكتابه ورسوله { قالوا } على طريق الإخبار عن الأمور المحققة تروجيا وتغريرا على المؤمنين { آمنا } بالجملة الفعلية الماضية بلا مبالغة وتأكيد لحكمهم سفاهة المؤمنين، بأن السفيه يقبل الأخبار بلا تأكيد؛ لعدم تفطنه على إنكار المتكلم، فنزلوهم - وإن كان من حقهم الإنكار حقيقة - منزلة خالي الذهن؛ لسفاهتهم { وإذا خلوا } نفوا خالين { إلى شياطينهم } أي: مع أصحابهم المستمرين على الكفر، الظاهرين بالمخالفة بلا خداع ولا نفاق كالشيطان المصر على الضلال المستمر على الإضلال { قالوا } على طريق المبالغة والتأكيد قلعا لما اعتقدوا من ظاهر حالهم ومقالهم وموافقتهم مع المؤمنين سرا وجهرا، وتحقيقا لمؤاخذتهم معهم { إنا } وإن كنا في الظاهر مداهنين معهم لمصلحة دنيوية، متفقون { معكم } لفائدة دينية، أتوا بالجملة الاسمية المصدرة بأن؛ تحقيقا واهتماما، وقولنا: آمنا، استهزاء منا إياهم لا تصديق لمدعاهم، وبالجملة ما نحن مؤمنون بمجرد هذا القول بل { إنما نحن مستهزءون } [البقرة: 14] مستخفون تجهيلا وتسفيها واعتذارا على مجرد القول الكاذب الغير المطابق للاعتقاد والواقع. وهم في غاية انهماكهم في الغي والضلال، وهم مقرون جازمون بأنهم يستهزئون، بل هم في الحقيقة مستهزئون إذ: { الله } المحيط بجميع مخايلهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة { يستهزئ بهم } في كل لحظة وطرفة آنا فآنا { و } لم يشعرهم باستهزائه بل { يمدهم } يمهلهم ويسوفهم { في طغيانهم } المتجاوز عن الحد في الضلالة بتلبيس الأمر على الله وعلى المؤمنين { يعمهون } [البقرة: 15] يترددون إقداما وإحجاما.

{ أولئك } البعداء عن طريق الهداية هم { الذين اشتروا } استبدلوا واختاروا { الضللة } المعززة في نفوسهم بتقليد آبائهم { بالهدى } المتفرعة على الإيمان بالله وبرسوله { فما ربحت } بهذا الاستبدال والاختيار { تجارتهم } أي: ما يتجرون به { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16] رابحين بسبب الاستبدال، وخاسرين ضالين به. أو يقال: فما يتم الربح { تجارتهم } اتجارهم { وما كانوا مهتدين } بسبب هذا الاتجار.

[2.17-19]

بل { مثلهم } أي: شأنهم وحالهم بهذا الاستبدال، والاختيار في يوم الجزاء { كمثل } كحال الشخص { الذي } طلب شيئا في الظلمة وترقبه، ولم يهتد إليه و { استوقد نارا } ليستضيء بها، وفاز بمبتغاه { فلمآ } استوقده { أضآءت } النار { ما حوله } أي: حول المستوقد، وترقب وجدان مطلوبه { ذهب } ضوؤها، وسكن لهبها فضل عن مطلوبه، وخسر خسرانا عظيما، كما ذهب { الله بنورهم } أطفأ الله نيران المنافقين وسرجهم التي هي كفرهم ونفاقهم على زعمهم، وأفسد إظاءتهم في يوم الجزاء حين ترقبهم بوجدان مطالبهم ولم يهتدوا بها، بل عذبهم الله بسببها { وتركهم } لأجلها { في ظلمت } ظلمة الضلالة المتقررة الراسخة في نفوسهم بتقليد آبائهم، المنتجة للكفر والنفاق، وظلمة فقدان المطلوب المترتب عليها في زعهمم مع ترقبهم، والظلمة العارضة لهم بعد استضاءتهم، وبسبب هذه الظلمات { لا يبصرون } [البقرة: 17] ولا يرجى نجاتهم عن عذاب الله بل يبقون فيه أبدا وهم:

{ صم } لعدم إصغائهم لقول الحق عن ألسنة الرسل صلوات الله عليهم { بكم } لعدم قولهم بالإيمان المقارن بالتصديق { عمي } لعدم التفاتهم إلى الدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة، وبالجملة: { فهم } في هذه الحالة { لا يرجعون } [البقرة: 18] ولا يطمعون الرجوع إلى الهداية لتذكيرهم الإفراط والتفريط الذي صدر عنهم في النشأة الأولى المستتبع لهذا العذاب.

Bog aan la aqoon

{ أو } مثلهم في هذا الاستبدال والاتجار { كصيب } نازل { من السمآء فيه ظلمت } متوالية متتالية، بعضها فوق بعض شدة وضعفا بحسب تخلخل السحب وتكاثفها { ورعد وبرق } بسبب الأدخنة والأبخرة المحتسبة فيه، متى أبصرها الناس وسمعوا أصوات بروقه ورعوده { يجعلون أصبعهم } أنامل أصابعهم { في آذانهم } خوفا { من الصوعق } النازلة منها، المهلكة غالبا لمن أصيب بها، وإنما يفعلون ذلك { حذر الموت } أي: حذر أن يموتوا في إصابتها؛ يعني: إنهم لما شبهوا في نفوسهم دين الإسلام بالصيب المذكور في ظهوره من غير ترقب، واشتمال في زعمهم على ظلمات التكاليف المتفاوتة المتنوعة، ورعود الوعيدات الهائلة وبروق الأحكام الخاطفة، وجب عليهم الاحتراز عن غوائله فمالوا عنه وأعرضوا، وجعلوا أصابع عقولهم في آذان قبولهم؛ خوفا من الصواعق النازلة المصفية المفنية ذواتهم في ذات الله حذر الموت الإداري، وهم بسبب هذا الميل والإعراض يعتقدون أنهم خلصوا عن الفناء في ذاته { و } لم يعلموا أنهم مستهلكون فيها إذ { الله } المتجلي في ذاته لذاته { محيط بالكفرين } [البقرة: 19] الساترين بذواتهم في زعمهم الفاسد ذات الله، غافلين عن تجلياته، وكيف يغفلون عنها؟.

[2.20-22]

{ يكاد البرق } أي: برق التجلي اللطفي { يخطف } يعمي { أبصرهم } التي يرون بها أنفسهم ذوات موجودات فاضلات به { كلما أضآء } وأشرق { لهم } التجلي اللطفي { مشوا } ساروا { فيه } باقين ببقائه { وإذآ أظلم عليهم } بالتجلي القهري { قاموا } سكنوا على ما هم عليه من عدم الصرف { ولو شآء الله } التجلي عليهم بالقهر دائما { لذهب بسمعهم وأبصرهم } أي: بتعيناتهم التي ظنوا أنهم موجودات حقيقية بسببها، وصيرهم فانين معدومين لا وجود لهم أصلا، كما هم عليه دائما، قل لهم يا أكمل الرسل بلسان الجمع: { إن الله } المتجلي بالتجلي اللطفي { على } إبقاء { كل شيء قدير } [البقرة: 20] على إفنائه بالتجلي القهري؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يشاء، ثم نبه تعالى على كيفية رجوعهم إليه وتنبههم على تجلياته، فناداهم إشفاقا لهم وامتنانا عليهم ليقبلوا إليه فقال:

{ يأيها الناس } الذين نسوا حقوق الله بمتابعة آبائكم { اعبدوا } تذللوا وتفزعوا وانقادوا { ربكم الذي خلقكم } أخرجكم وأظهركم من كتم العدم بإشراق تجلياته اللطيفة إلى فضاء الوجود { و } أيضا أخرج آباءكم { الذين } مضوا { من قبلكم } إن عبدتم كما ذكر { لعلكم تتقون } [البقرة: 21] تحذرون من تجلياته القهرية، فهو في بدء الوجود في المعاني اعبدوا ربكم:

{ الذي جعل لكم الأرض فرشا } مبسوطا؛ لتستقروا عليها وتسترزقوا منها { والسماء بنآء } مرفوعا؛ لترتقي الأبخرة والأدخنة والمتصاعدة إليهم وتتراكم السحب فيها { و } بعد وجود هذه الأسباب { أنزل } بمحض فضله وفيضه { من } جانب { السمآء مآء } منبتا لكم الزروع والأثمار المقومة لمزاجكم وإذا أنزل { فأخرج به } سبحانه؛ أي: بسبب الماء { من الثمرت رزقا لكم } أي: أخرج رزقا لكم من الثمرات والطعوم؛ لتعيشوا بها وتقدروا إلى التوجه إلى توحيده وتفريده الذي هو غاية إيجادكم وخلقكم وما يترتب على وجودكم، وإذا كان كذلك { فلا تجعلوا } أيها المنعمون بانتزاع النعم { لله } الواحد القهار لجميع الأغيار { أندادا } أمثالا في استحقاق العبادة والإيجاد والتكوين والترزيق والإنبات والإضاء وغير ذلك مما يتعلق بالألوهية { وأنتم } إن وصلتم إلى مرتبة التوحيد الذي { تعلمون } [البقرة: 22] أن سلسلة الأسباب منتهية إليه سبحانه، ولا موجود إلا هو، بل لا موجود إلا هو

وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو

[الأنعام: 59] والتحقيق بهذا المقام والوصول إلى هذا المرام لا يحصل إلا بعد التخلق بأخلاق الله، والتخلق بأخلاقه لا يتيسر إلا بمتابعة المتخلق الكامل، وأكمل المتخلفين نبينا صلى الله عليه وسلم، والمتخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم إنما يكون بالكتاب الجامع لجميع أخلاق الله، المنزل على مرتبته، الجامع جميع مراتب المظان، وفي نسخة أخرى: المظاهر.

[2.23-25]

{ وإن كنتم } أيها المحجوبون بالأديان الباطلة { في ريب } شك وارتياب { مما نزلنا } من مقام كما ترتيبنا وإرشادنا { على عبدنا } الذي هو خليفتنا ومرآنا ومظهر جميع أوصافنا، وحامل وحينا المنزل عليه، المشتمل على جميع الأخلاق الإلهية { فأتوا بسورة } جملة قصيرة { من مثله } إذ من خواص هذا الكتاب أن مجموعة مشتمل على جميع الأخلاق الإلهية، وكل سورة منه تشتمل على ما اشتمل عليه المجموع، تأمل.

{ و } إن عجزتم أنتم عن إتيانه { ادعوا شهدآءكم } حضراءكم الذين أنتم تشهدون بألوهيتهم وترجعون في الخطاب إليهم { من دون الله } المحيط بكم وبهم، فأمروهم بإتيان كل سورة جامعة جميع أوصاف المعبود بالحق { إن كنتم صدقين } [البقرة: 23] أنهم آلهة غير الله، سبحان الله وتعالى عما يقولون.

Bog aan la aqoon

{ فإن لم تفعلوا } فإن لم تفعلوا الإتيان أنتم في حين التحدي والمعارضة { ولن تفعلوا } أيضا بعدما رجعتم إليهم، فلا تكابروا ولا تنازعوا، بل انقادوا وامتثلوا بأوامر الكتاب المنزل على عبدنا، واجتنبوا عن نواهيه { فاتقوا النار التي } أخبر فيه بأنه { وقودها } أي: ما يتقد به النار { الناس } الذين يعبدون غير الله { والحجارة } التي هي معبوداتهم التي نحتوها بأيديهم وما { أعدت } هذه النار إلا { للكفرين } [البقرة: 24] الجاهلين طريق توحيد الحق، والمكذبين كتاب الله ورسوله المنزل عليه.

{ وبشر } المؤمنين الموقنين الموحدين { الذين آمنوا } بالكتاب المنزل على عبدنا { وعملوا الصلحت } المؤمنون فيه، واجتنبوا عن الفاسدات المنهي عنها { أن } أي: حق وثبت { لهم } بعد رفع القيود { جنت } متنزهات من العلم والعين والحق التي هي المعارف الكلية المخلصة عن جميع القيود المنافية للتوحيد { تجري من تحتها الأنهر } أنهار المعارف الجزئية المترتبة على تلك المعارف الكلية { كلما رزقوا } حظوا منها؛ أي من تلك المعارف الكلية { منها من ثمرة } حاصلة من شجرة اليقين { رزقا } حظا كاملا يخصلهم من رتبة الإمكان { قالوا } متذكرين العهود السابقة: { هذا الذي رزقنا من قبل } من الأعيان الثابتة، أو في عالم الأسماء والصفات، أو في اللوح المحفوظ، أو في عالم الأرواح إلى غير ذلك من العبارات، ومن غايات التلذاذهم ونهاية شوقهم والتذاذهم بالثمرة المحظوظ بها { وأتوا به } متماثلا { متشبها } متجددا بتجدد الأمثال { ولهم فيهآ } في تلك المرتبة الكلية { أزوج } أعمال صالحة ونيات خالصة { مطهرة } عن شوائب الأغيار المانعة عن الوصول إلى دار القرار { وهم فيها } في تلك المراتب { خلدون } [البقرة: 25] دائمون يداومه، باقون ببقائه، مستغرقون بمشاهدة لقائه سبحانه. أرزقنا بلطفك حلاوة التحقيق وبرد اليقين.

[2.26-28]

ثم لما طعن الكفار في غاية استكبارهم وعتوهم ونهاية استعظامهم نفوسهم، واعتقادهم الأصالة في الوجود، والاستقلال بالآثار المترتبة عليه الصادرة منهم ظاهرا على الكتاب، والرسول المنزل عليه قائلين بأن ما جئت به وسميته وحيا نازلا إليك من عند الله الحكيم لا يدل على كلام من يعتد به ويعتمد عليه، فضلا عن أن يدل على أنه كلام الحكيم المتصف بجميع أوصاف الكمال المستحق للعبادة؛ لأن ما مثل به فيه هي الأشياء الخسيسة الخبيثة والضعيفة الحقيرة، مثل الكلب والحمار والذباب والنمل والنحل والعنكبوت وغيرها، والكلام المشتمل على أمثال هذه الأمثار لا يصدر من الكبير المتعال؟!

رد الله عليهم وروج أمر نبيه - صلوات الله عليه - فقال: { إن الله } المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء، المقتضية لظواهر الكائنات، المرتبة لمراتب الموجودات الظاهر على جميع المظاهر بلا تفاوت، كظهور الشمس وإشراقها على جميع الآفاق، وسريان الروح في جميع الأعضاء { لا يستحى } استحياء من في فعله ضعف وعافية وضيعة، بل الله سبحانة { أن يضرب مثلا } بمظهر { ما } من المظاهر غير المتفاوتة في المظهرية؛ إذ له بذاته من جميع أوصافه وأسمائه ظهور في كل ذرة من ذرائر العالم بلا إضافة، فلا تفاوت في المظاهر عنده، وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، وسواء كانت { بعوضة } مستحقرة عندكم أو أحقر منها { فما فوقها } في الحقارة والخساسة كالبق والنمل، فلا يبالي الله في تمثيلها؛ إذ عند الكل على السواء { فأما الذين } صدقوا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم و { آمنوا } بما جاء به من عند ربه { فيعلمون } علما يقينا أن التمثيل بهذه الأمثال { أنه الحق } الثابت الصادر { من ربهم } الذي رباهم بكشف الأمور على ما هي عليه.

{ وأما الذين كفروا } أعرضوا عن تصديق الله ورسوله { فيقولون } مستهزئين متهكمين على سبيل الاستفهام { ماذآ أراد الله } المقدس عن جميع الرذائل المتصف بالأوصاف الحميدة { بهذا } الحقير الخسيس بأن يضرب { مثلا } بهذا تعريض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبلغ وجه؛ يعني: ما جئت به من عندك كلمات مفتريات بعضها فوق بعض، أسندته إلى الله لتروجها على أولي الأحلام الضعيفة، ومن غاية استكبارهم ونهاية جهلهم المقتضي لعمى القلب لم يروا الحكمة في تمثيله، ولم يعلموا أنه { يضل } الله باسمه المنتقم { به } بسبب إنكار هذا المثال { كثيرا } من المستكبرين المستحقرين بعض المظاهر { ويهدي به كثيرا } من الموحدين الموقنين الذين لا يرون في المظاهر إلا الله، ففي هذا المشهد لا يسع الإضافات المستلزمة للاستعظام والاستحقار، بل سقط هناك جميع الاعتبار، ثم بين سبب إضلاله له فقال: { وما يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26].

{ الذين } يخرجون عن طريق التوحيد باستحقار بعض المظاهر { ينقضون } يفصمون { عهد الله } الذي هو حبله الممدود من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات سيما { من بعد } توكيده بذكر { ميثقه } الموثق بقوله:

ألست بربكم

[الأعراف: 172]، وقولهم:

بلى

Bog aan la aqoon

[الأعراف: 172] وبعدما نقضوا العهد الوثيق الذي من شأنه ألا ينقض لم يفزعوا ولم يتوجهوا إلى جبره ووصله، بل { ويقطعون } التوجه عن امتثال { مآ أمر الله به } في كتابه المنزل { أن يوصل } به ما نقض من عهده، ومع ذلك لا يقنعون بنقض العهد وقطع الوصل المختصين بهم، بل { ويفسدون في الأرض } بأنواع الفسادات السارية من إفساد واعتقاد الضعفاء، والبغض مع العرفاء الأنساء - وفي نسخة أخرى: ا لأمناء - والمخالفة مع الأنبياء والأولياء { أولئك } البعداء عن طريق التوحيد { هم الخسرون } [البقرة: 27] المقصورون على الخسران الكلي الذي لا خسران فوقه، أعاذنا الله من ذلك.

ثم استفهم سبحانه مخاطبا لهم، مستبعدا عما صدر عنهم من الكفر والطغيان على سبيل الكناية تحريكا لحمية الفطرة التي فطر الناس عليها، وتذكيرا لهم بالعهود التي عهدوا مع الله في استعدادتهم الأصلية بقوله:

{ كيف تكفرون } وتشركون { بالله } الذي قدر وجودكم في علمه السابق أراد إيجادكم { وكنتم أموتا فأحيكم } أظهركم من العدم بمد ظله عليكم، وبعدما أظهركم أنعم عليكم ورباكم في النشأة الأولى بأنواع النعم؛ لتعرفوا المنعم وتشكروا له في مقابلتها { ثم } بعد تربيتكم في النعم { يميتكم } يخرجكم من النشأة الأولى إظهارا لقدرته وقهره { ثم يحييكم } أيضا في النشأة الأخرى لتجزى كل نفس بما كسبت في النشأة الأولى { ثم } بعدما قطعتم المنازل وطويتم المراتب والمراحل { إليه } لا إلى غيره من الأظلال { ترجعون } [البقرة: 28] إذ لا وجود للغير ليرجع إليه، فلا مرجع إلا هو ولا مآب بسواه، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.

[2.29-32]

{ هو الذي } جعلكم خلائف في الأرض وصوركم على صورته، وصيركم مظاهر جميع أوصافه وأسمائه و { خلق لكم } أي: قدر ودبر لكم { ما في الأرض جميعا } ما في العالم السفلي من آثار الأسماء والصفات تتميما لجسمانيتكم؛ لتتصرفوا فيها وتتنعموا بها متى شئتم { ثم } لما تم تقدير ما في العالم السفلي ترقى عنها و { استوى } توجه { إلى السمآء } إلى تقدير جميع ما في العالم العلوي { فسوهن } فهيأهن { سبع سموت } مطبقات مشتملات على ملائكة ذوي علوم ومعاملات، وعلى كواكب ذوي آثار كثيرة كلها من مقتضيات أسمائه وصفاته { و } لا يخفى عليه شيء مما في العالمين؛ إذ { هو بكل شيء عليم } البقرة: 29] لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

ثم لما قدر لنوع الإنسان جميع ما في العالم العلوي والسفلي أشار إلى اصطفاء شخص من هذا النوع وانتخابه من بين الأشخاص؛ ليكون مظهرا جامعا لائقا لأمر الخلافة والنيات، فقال مخاطبا لنبيه، مذكرا له، مستحضرا إياه بقوله: { وإذ قال ربك } أي: استحضر أنت يا أكمل الرسل فذكر ممن تبعك وقت قول ربك { للملئكة } الذين هم مظاهر لطفه ومجالي جماله، لا يظهر عليهم أثر من آثار الجلال والقهر { إني } أريد أن أطالع ذاتي وألاحظ أسمائي وأوصافي على التفصيل، فأنا { جاعل في الأرض } أي: العالم السفلي { خليفة } مرآة مجلوة عن صداء الإمكان ورين التعلق؛ لأتجلى منها بجميع أوصافي وأسمائي حتى تعتدل خليفتي بأسمائي أخلاق من عليها وتصلح أحوالهم، وإذا شاور معهم قالوا في الجواب على مقتضى علمهم { قالوا } في الجواب على مقتضى علمهم من العالم السفلي الذي هو عالم الكون والفساد ومنزل الجدال والعناد: ما نرى في العالم السفلي إلا اللدد والعناد والمخاصمة المستمرة بين العباد والخروج من حدودك من سفك الدماء ونهب الأموال وسبي الذراري { أ } ن سلم ونجوز لك أن { تجعل } بعزتك وكبريائك مع أنا ننزهك عن جميع الرذائل خليفة لك نائبا عنك { فيها } في الأرض { من يفسد فيها } بأنواع الفسادات { و } خصوصا { يسفك الدمآء } المحرمة، وليس في وسعنا هذا التسليم، ولا نرى هذا الأمر لائقا بجلالك وعصمتك، وإن شئت بفضلك وجودك أن تصلح بينهم { و } تدبر أمرهم { نحن } أولى بإصلاحهم وتدبيرهم وحفظ حدودك الموضوعة فيهم؛ إذ { نسبح } نشتغل دائما { بحمدك } وثنائك على آلائك ونعمائك { ونقدس } به { لك } أي: ننزه ذاتك عن جميع ما يشعر بالعلل والأعراض فنحن أولى بأمر الخلافة والنيابة منه { قال } تعالى بلسان الجمع في جوابهم؛ إرشادا لهم وامتنانا لآدم: { إني أعلم } من آدم الذي هو مظهر ذاتي وجميع أسمائي { ما } أي: شيء من الجامعية { لا تعلمون } [البقرة: 30] أنتم لعدم جميعتكم.

ثم لما ادعى سبحانه استحقاقه للنيابة ولياقته للخلافة، وأجاب عن شبههم التي أوردوها إجمالا وأشار إلى تفصيل ما أجمل عليهم إرشادا لهم على مرتبة الجمع، وتنبيها على جلالة قدر المظهر الجامع فقال: { وعلم ءادم } سبحانه؛ أي: ذكره { الأسمآء } التي أودعها في ذاته وأوجد بها ما في العالم من الآثار البديعة { كلها } بحيث لا يبقى من الأوصاف المتقابلة والأسماء المتخالفة المتضادة شيء إلا ما استأثر به في غيبه { ثم عرضهم } الأسماء المودعة باعتبار مسمياتها وآثارها الظاهرة في الآفاق { على الملئكة } الذين يدعون الأولوية في أمر الخلافة { فقال } تعالى لهم مخاطبا على سبيل الإسكات والتبكيت: { أنبئوني } عن روية وبصيرة { بأسمآء هؤلاء } المسميات، وبأسباب هؤلاء الآثار والمسببات { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31] في دعوى الأولوية والأحقية للنيابة، محقين في الاعتراض على آدم لا عن علم بحاله.

{ قالوا } مستوحشين من هذه الكلمات، معتذرين متذليين خائفين من عتابه تعالى، متذكرين عن سوء الأدب مع الله، مستحيين عن سؤالهم من فعله الذي لا يسأل عنه قائلين: { سبحنك } ننزهك من أن يعترض عليك ويسأل عن فعلك، ذلك الحكم في ملكوتك والتصرف في مقتضيات أسمائك، وإنما بسطنا معك الكلام لا لانبساطك بنا؛ إذ { لا علم لنآ } منها { إلا ما علمتنآ } بقدر استعداداتنا وقابلياتنا { إنك أنت العليم } بجميع الاستعدادات والقابليات { الحكيم } [البقرة: 32] بإقامته ما ينبغي لمن ينبغي بلا علل واعتراض.

[2.33-37]

ومتى اعترفوا بذنوبهم واعتذروا عن قصورهم وإجرامهم قبل الله عنهم عذرهم وتوبتهم، ثم أظهر عليهم الحكمة المقتضية لخلافة آدم - صلوات الله عليه - جبرا لانكسارهم ورفعا لحجابهم وامتنانا عليهم حيث: { قال يآءادم } المستجمع لجميع الأسماء المتخالفة { أنبئهم } عن خبرة وحضور { بأسمآئهم } المركوزة في هويتك عن هؤلاء المسميات المسببات المعروضة عليك المعبرة عنها بالعالم، ثم لما سمع آدم نداء ربه بادر إلى الجواب بمقتضى الوحي والإلهام الإلهي { فلمآ أنبأهم } بتوفيق الله وإلهامه ووحيه { بأسمآئهم } على التفصيل الذي أودعه الحق في ذاته؛ لأن المرأة تظهر جميع ما في الرائي، فلما سمعوا منه التفصيل واستخرجوا بإنبائه، وندموا عما صدر عنهم في حقه، وزادوا الاستحياء من الله وتوجهوا نحوه ساكتين نادمين حتى لطف معهم وأدركتهم الرحمة الواسعة، تكلم سبحانه معهم وخاطبهم مذكرا لهم عما جرى بينه وبينهم، ومستفهما لهم على وجه التأديب؛ لئلا يصدر عنهم أمثاله ولئلا يغتروا بعلومهم ومعامالاتهم، ولا يستحقروا مظاهر الحق، ولا ينظروا إليها بعين الاحتقار بل بنظر الاعتبار، ولا يتوهم إخفاء شيء من علم الله المحيط بالأشياء إحاطة حضور حيث { قال ألم أقل لكم } إجمالا أولا: { إني أعلم غيب السموت } أي: ما غاب عنهم في علم السماوات التي ادعيتم العلم بتفاصيل أحوالها { و } غيب { الأرض } التي قلتم فيها كلاما على التخمين وبحسب الظاهر { وأعلم } أيضا { ما تبدون وما كنتم تكتمون } [البقرة: 33] تظهرون في حق آدم باللسان ودعوى الاستقلال فيها والانحصار عليها.

Bog aan la aqoon

ثم لما اعترفوا بذنوبهم وقصورهم، وتضرعوا إلى الله نادمين تائبين عن اجترائهم ومجادلتهم معه مستحيين عنه وعمن استخلفه لنفسه - يعني آدم - بنسبة المكروهات إليه، خائبين عما نووا في نفوسهم من الأولوية في الاستحقاق، تقبل الله عذرهم وأسقط حقه عنهم، ثم أمر بسجودهم لمن استخلفه؛ استجلالا معه وإيفاء لحقه ليسقط أيضا عن ذمتهم، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر يا أكمل الرسل وقت قولنا { للملئكة } النادمين عن الجراءة التي صدرت عنهم { اسجدوا لأدم } تذللوا وتواضعوا تكريما لآدم وامتثالا لأمرنا { فسجدوا } مجتمعين متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والندامة { إلا إبليس } منهم { أبى } وامتنع عن السجود { واستكبر } عن الانقياد له، وأصر على ما هو عليه من الجحود { وكان } بعدم ا لامتثال الأمر الوجوبي { من الكفرين } [البقرة: 34] المطرودين عن ساحة عز الحضور.

والسر في استثنائه تعالى عن هذا الحكم وعدم توفيقه إياه وعدم اقتداره على السجود، أن يظهر سر الحضور والإظهار والربوبية والعبودية، وسر الإيمان والكفر والجنة والنار وجميع القيودات الشرعية والتكاليف الإلهية؛ إذ نسبته يظهر الاثنينية ويتعدد الطرق وتتفاوت الآراء والمقالات وتبين المخالفات والمنازعات، ويظهر الباطل ويستر الحق، وهو الرقيب المحافظ لآدابه والحاجب المعتكف ببابه، حتى لا تكون شرعية لكل وارد، أو يتوجه إليه واحد بعد واحد، غيره على الله وحمية لنفسه، ولهذا تمنى كثير من المحققين مرتبته.

ومن غيرته على ربه إلهاؤهم واغترارهم بالمستلذات والمزخرفات التي مالت إليها نفوسهم بطبعها يشغلهم ويلهيهم بها عن التوجيه إلى جنابه والعكوف ببابه، والسر في طرده ولعنه وإبعاده وبكفره تحذيرهم عن الانقياد والاقتداء على أبلغ وجه وآكده، وتمرين لعداوته ورقابته معهم في نفوسهم؛ لئلا يغفلوا عنه، ومع ذلك لم يتركوا متابعته ولم يجتنبوا من إقطاعه الملهية، نعوذ بالله من شرور أنفسنا.

{ و } وبعد ما خلقنا آدم في الأرض خليفة وأنزلنا عنه قوادح القاحدين، وأمرمنا جميع خصمائه بسجوده وتكريمه، وامتثلوا بالمأمور جميعا إلا إبليس، تركه للحكمة المذكورة آنفا ولئلا يتكبر آدم ويتجه بسببه انقياد جميعهم كما تجبر كثير من أبنائه في الأرض بانقياد الشرذمة القليلة { قلنا } له على سبيل الشفقة والنصيحة: { يآءادم } المستخلف المختار، لازم العبودية إنما تحصل بامتثال أوامرنا واجتناب نواهينا، ومتى قبلت بحمل الامتثال والاجتناب { اسكن أنت } أيها الخليفة أصالة { وزوجك } تبعا لك { الجنة } التي هي دار السرور ومنزل الفراغ والحضور، ومقام الأنس من الرب الغفور { و } إذا سكنتما فيها { كلا } تمتعا { منها } من جميع محظوظاتها ومستلذاتها الروحانية والجسمانية { رغدا } واسعا بلا مقدار وعدد { حيث شئتما } بلا مزاحمة أحد { ولا تقربا هذه الشجرة } المخصوصة المعينة حتى لا تخرجا من رق العبودية وإن قربتما { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35] الخارجين عن حدو الله بارتكاب المنهي.

ولما استشعر إبليس التوصية والمعاهدة المذكورة المنبئة عن كمال العناية الإلهية بالنسبة إلى آدم، بادر إلى دفعها ورفضها، فوسوس لهما بأن ألقى في قلبهما الدغدغة في تخصيص هذه الشجرة المعنية بالنهي وأنساهما المعاهدة المذكورة في العبودية، وبالجملة: { فأزلهما } ألجأهما إلى ارتكاب الزلة بوسوسة { الشيطان عنها } العدو لهما والرقيب معهما فتنادوا عنها عن الشجرة المنهية { فأخرجهما مما } أي: من الحضور الذي { كانا فيه } أي: في دار السرور { و } بعدما ظهر زلتهما { قلنا } لهما ولناصحهما: { اهبطوا } من دار السرور إلى دار الغرور، ومن دار الكرامة إلى دار الابتلاء والملائمة، وعيشوا فيها مع النزاع والخصومة؛ إذ { بعضكم لبعض عدو } ينتهز الفرصة لمقته { و } بعد هبوطمم { لكم في الأرض } التي هي محل التفرقة وموطن الفتن والمحن { مستقر } موضع قرار { ومتاع } استمتاع لمزخرفاتها ومستلذاتها الغير القارة التي ألهاكم الشيطان بها عن النعيم الدائم { إلى حين } [البقرة: 36] قيام الساعة التي هي الطامة الكبرى.

ثم لما لم يكن زلة آدم من نفسه ومن مقتضى طبعه بل بسوسوة عدوه، أشفق عليه وتوجه نحوه وتطلف معه { فتلقى } استفاد { ءادم } المذنب العاصي { من ربه } المستخلف المستقبل عليه { كلمت } مشتملات على الرجوع والإنانية عما صدر عنه من زلة هي قوله:

ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

[الأعراف: 23] ولما تلقى آدم من ربه هذه الكلمات واستغفر بها، ورجع عما صدر { فتاب } الله { عليه } أي: قبل توبته ورحم عليه { إنه هو التواب } الرجاع للمذنبين المنهمكين في العصيان بالإنابة إليه عن ظهر الجنان { الرحيم } [البقرة: 37] لهم عما صدر عنهم من المعاصي والآثام بلا معاتبة ولا انتقام.

[2.38-42]

ثم لما تلقناه الكلمات التي تاب بها وقبلنا عنه توبته، أخرجناه من اليأس والقنوط وأطمعناه الرجوع إلى الجنة بأن: { قلنا } له ولذريته المتفرعة عليه، منبهين عليهم طريق الرجوع { اهبطوا } الزموا مكان الهبوط، واستقروا عليها حال كونكم خارجين { منها جميعا } ومن الجنة، وترقبوا دخولها بإذن منا { فإما يأتينكم } أيها المترقبون { مني } لا غيري { هدى } من وحي وإلهام، وهو علامة إذني ودليل رضاي برجوعكم { فمن تبع هداي } ومن رجع إلي به { فلا خوف عليهم } في المراجعة إلى المقام الأصلي { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38] بعد رجوعهم إليها بل كما بدأكم تعودون.

Bog aan la aqoon