Tafsirka Cabdulqaadir Jeylaani
تفسير الجيلاني
{ و } بعدما تقولوا ما تقولوا من شدة الأسف ونهاية الحسرة والضجرة { ضل } وغاب { عنهم } وخف عن أبصارهم وبصائرهم { ما كانوا يدعون } ويعبدون إليه { من قبل وظنوا } بل تيقنوا حينئذ { ما لهم من محيص } [فصلت: 48] مهرب ومخلص من عذاب الله، فتندموا وما ينفعهم الندم، ورجعوا إلى الله حينئذ وما يفيدهم الرجوع؛ لانقضاء مدة التدارك والاختبار.
ومن العادة القديمة والديدنة المستمرة أنه { لا يسأم } أي: لا يمل ولا يفتر { الإنسان } المجبول على جلب الإحسان { من دعآء الخير } لنفسه وجذب المنفعة إلى ذاته حريصا عليها، مولعا لاقتنائها وجمعها { وإن مسه الشر } وعرض عليه الضر حينا من الأحيان { فيئوس } من قدرة الله على دفع الضر عنه، نوجلب النفع إياه بعدما أزال عنه ابتلاء { قنوط } [فصلت: 49] من فض الله عليه وسعة رحمته وجوده.
{ و } من غاية يأسه وقنوطه عن مقتضى فضلنا وجودنا { لئن أذقناه رحمة } ووفرناها عليه؛ بحيث تسري في جميع أجزائها مع كونها تفضلا { منا } بلا اقتراف { من } جانبه سوى أنه { بعد ضرآء مسته } لحقته أوائلها؛ إذ المساس يحصل بمجرد الملاقاة { ليقولن } معرضا عن الله: { هذا لي } وأنا أستحق بها لاحتمال الشدائد ولكمال فضلي وعلمي، أو هذا لي بمقتضى ذاتي { و } بالجملة: { مآ أظن الساعة } الموهومة الموعودة { قآئمة } أتية { ولئن } فرضت وقوعها وقيامها على الوجه الذي زعم الرسل المدعون، ونطقت الكتب المزورة المفترية { رجعت إلى ربي } كما زعموا { إن لي } أي: ثبت وتحقق لي { عنده } سبحانه { للحسنى } أي: الحالة التي هي أحسن الحالات وأكمر الكرامات؛ لاستحقاقي بها واقتضاء ذاتي: إياها، وإنما يقول ما يقول استهزاء وتهكما.
{ فلننبئن } ونخبرن حين الجزاء الكافرين { الذين كفروا } بوفور قدرتنا على وجوه الانتقام { بما عملوا } من الجرائم العظام وكبائر الآثام { ولنذيقنهم } ونحيطن عليهم { من عذاب غليظ } [فصلت: 50] مؤلم فظيع فجيع، لا يمكنهم الخلاص عنه.
[41.51-54]
{ و } من شدة طغيان الإنسان ونهاية كفرانه وعدوانه: إنا { إذآ أنعمنا } وأكرمنا من مقام جودنا { على الإنسان } المجبول على النسيان { أعرض ونأى بجانبه } أي: تباعد عنا، ولم يشكر على نعمنا، ولم يلتفت إلى موائد كرمنا { وإذا مسه الشر } ولحقه الضر { فذو دعآء عريض } [فصلت: 51] كثير ممتد عرضا وطولا، وهو كناية عن إلحاحهم ولجاجهم في طلب الكشف والتفريج من الله عند نزول البلاء وإلمام المصيبة.
{ قل } يا أكمل الرسل لمنكري القرآن والقادحين فيه عدوانا وظلما: { أرأيتم } أخبروني { إن كان } القرآن منزلا { من عند الله } بحسب الواقع مع أنه لا شك فيه { ثم كفرتم به } بلا تأمل وتدبر في دلائل صدقه، وبراهين إعجازه لفظا ومعى { من أضل } سبيلا وأخطأ رأيا وطريقا { ممن هو في شقاق بعيد } [فصلت: 52] وخلاف شديد عن الحق وقبوله، وبالجملة: من أضل منكم أيها القادحون المنكرون له مع وضوح محجته وسطوع برهانه.
ثم أشار سبحانه إلى وحدة ذاته وظهوره حسب أسمائه وصفاته في عموم مظاهره ومصنوعاته، وحيطته عليها، وشموله إياها؛ ليكون دليلا على حقية كتباه، وصدوره منها، فقال: { سنريهم } أي: المجبولين على فطرة التوحيد، المخلوقين على نشأة الإيمان والعرفان، الموقنين على كمال الكشف والعيان { آياتنا } أي: دلائل توحيدنا الدالة على وحدة ذاتنا الظاهرة { في الآفاق } أي: ذرائر الأكوان الخارجة عن نفوسهم المدركة بآلاتهم وحواسهم، سميت بها؛ لطلوع شمس الحقيقة الحقية منها، وظهورها عليها { وفي أنفسهم } أي: ذواتهم التي هي أدل دليل على معرفة الحق ووحدة الحق.
لذلك قال أصدق القائلين وأكمل الكاملين: " من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
وإنما نريهم ما نريهم { حتى يتبين لهم } ويظهر دونهم وينكشف عليهم { أنه } أي: الأمر الظاهر في الآفاق والأنفس { الحق } الحقيق بالتحقق والثبوت لصرافة وحدته الذاتية والقرآن المعجز أيضا، ومن جملة مظاهره وصفاته.
Bog aan la aqoon