Tafsirka Cabdulqaadir Jeylaani
تفسير الجيلاني
وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: من تحدث بحديث داوود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وهي حد الفرية على الأنبياء، والعلم عند الله.
ثم لما عاتب سبحانه داود عليه السلام بما عاتب، وقبل توبته بعدما اتسغفر وأناب، أراد سبحانه من كمال خلوصه في توبته رجوعه نحو الحق عن صميم طويته أن يشرفه بخلعة الخلافة، فقال مناديا له، إظهارا لكمال اللطف والكرم معه: { يداوود } المتأثر عن عتبنا، التائب إلينا، المنيب نحونا عن محض الندم والإخلاص { إنا } بعدما طهرناك عن لوث بشريتك، وغفرنا لك ما طرأ عليه من لوازم هويتك ولواحق ناسوتك { جعلناك خليفة في الأرض } التي هي محل الكون والفساد، وأنواع الفتن والعناد، فلك أن تستخلف عليها نيابة عنا.
{ فاحكم بين الناس } المستحكمين لك، المتمردين إليك في الوقائع والخطوب ملتبسا { بالحق } السوي بلا ميل إلى كلا طرفي الإفراط والتفريط على الوجه الذي وصل إليك في كتابنا صريحا أو استنبط منه ضمنا { و } عليك أن { لا تتبع الهوى } في حكوماتك وقطعك للخصومات بين الأنام؛ يعني: عليك أن ترجع في جميع الأحكام إلى كتابنا، ولا تميل في حال من الأحوال إلى ما تهواه نفسك ويقتضيه رأيك ويشتهيه قلبك، إن كان مخالفا لما في الكتاب، وإن اتبعت إليه بعدما نهيناك { فيضلك } اتباعك أياه { عن سبيل الله } الموصل إلى توحيده، المبني على القسط والاعتدال { إن الذين يضلون عن سبيل الله } الواحد الأحد الصمد الذي استوى على عروش عموم ما لمع عليه بروق تجلياته بالقسط والاستقامة { لهم عذاب شديد } يوم يرجعون إلى الله، ويحشرون إلى عرصات العرض { بما نسوا يوم الحساب } [ص: 26] أي: بسبب فطرتهم الأصلية، وعهدهم الذي عهدوا مع الله فيها، وإنكارهم على تنقية الحق أعمالهم في يوم البعث والجزاء، وضلالهم عن الإيمان به وبجميع ما فيه من الأمور الأخروية.
{ و } كيف لا نبعث الأموات، ولا نحاسب أعمالهم التي أتوا بها في دار الاختبار؛ إذ { ما خلقنا السمآء } وجميع ما فيها ومن فيها { والأرض } وجميع من عليها وما عليها { و } كذا { ما بينهما } من الممتزجات الكائنة فوق الأرض وتحت السماء { باطلا } عبثا بلا طائل ومصلحة تقتضيها الحكمة الباعثة على إظهارها، مع أنا ما كنا من العابثين اللاعبين.
وما يليق بشأننا أن ينسب أفعالنا إلى البطلان، والخلو عن الحكمة { ذلك } أي: القول ببطلان أفعالنا، وخلائها عن الفائدة، وعرائها عن الحكمة والمصلحة { ظن الذين كفروا } بالحق العليم الحكيم، وأعرضوا عن الإيمان وأنكروا توحيده، فاستحقوا بذلك الظن أسوأ العذاب وأشد النكال { فويل } عظيم وعذاب أليم { للذين كفروا من النار } [ص: 27] إذ هم في أوحش أمكنة جهنم وأهولها وأعمقها.
{ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } أي: بل ظنوا وزعموا من شدة جهلهم وسخافة فطنتهم، أنا نسوي في الرتبة بين أرباب الهداية والإيمان وأصحاب الضلال والطغيان { أم نجعل المتقين كالفجار } [ص: 28] بل زعموا، واعتقدوا مساواة أهل المغفرة والتقوى مع أصحاب الغفلة والهوى، المنهمكين في أودية الضلالات بمتابعة اللذات والشهوات.
ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه صلى الله عليه وسلم على سبيل العظة والتذكير: هذا { كتاب } جامع لفوائد الكتب السالفة، مشتمل على زوائد خلت عنها تلك الكتب { أنزلناه إليك } أيها الجامع لجميع مراتب الوجود من مقام عظيم جودنا معك، ومع من تبعك من المؤمنين { مبارك } كثير الخبر والبركة على من أمتثل بأوامره، واجتنب عن نواهيه، وانكشف بما فيه من الرموز والإشارات المنبهة إلى التوحيد وإسقاط الإضافات، والتخلق بصفات الحق وأخلاقه، والاتصاف بمقتضيات أسمائه الحسنى، وإنما أنزلناه { ليدبروا } أي: ليتدبر المتدبرون المتفكرون في أساليب { آياته } الكريمة، واتساق تراكيبه البديعة، وإفاضاتها المعاني العجيبة المنتشئة المترشحة من بحر الذات حسب شئون الأسماء والصفات الظاهرة آثارها على وفق التجليات الحبية، { وليتذكر } ويتعظ بعدما تأمل وتدبر { أولوا الألباب } [ص: 29] المستكشفون عن حقائق الموجودات، ولباب الكائنات والفاسدات المعرضين عن قشورها.
[38.30-40]
{ و } بعدما كرمناه بتشريف خلعة الخلافة { وهبنا لداوود } ولدا خلفا عنه، وارثا لملكه وخلافته، محييا اسمه ومراسم دينه ومعالم ملته؛ يعني: { سليمان نعم العبد } سليمان؛ لأنه مقبول عندنا، مقرب من حضرتنا، مكرم لدينا، وكيف يكون كذلك { إنه أواب } [ص: 30] رجاع إلينا، ملتجئ نحونا في عموم الأوقات وشمول الحالات على وجه الخلوص والتفويض التام.
اذكر يا أكمل الرسل كمال رجوعه وإخلاصه في وقت { إذ عرض عليه بالعشي } وهو مشمر إلى الغزو ومهيئ لأسبابه، متمكن على كرسيه لضبط العسكر وآلات القتال بالعشي { الصافنات } من الخيل، وهي التي تدور سريعا كالرحى على طرف حافر من حوافره، إن أراد الركاب تدويره، وهي من أكمل أوصاف الخيل وأحمدها عند أصحاب القتال؛ لأن المبارز كثيرا ما يحتاج إلى تدوير فرسه يوم الوغى { الجياد } [ص: 31] سريعة الجري والعدو.
Bog aan la aqoon