Tafsirka Cabdulqaadir Jeylaani
تفسير الجيلاني
عليك أيها السالك المتوجه نحو الحق بوجهك الذي ليلي الحق المقتبس به منه أشعة أنوار تجلياته الذاتية حسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن تتأمل في كيفية نشآت الكثرات الغير المحصورة عن الواحد من كل الوجود، وتتعمق بمقتضى العقل المفاض لك من حضرة علمه سبحانه على سبيل التوديع؛ لتتدبر معرفة مبدئك ومعادك حسب استعدادك الفطري، وقابليتك الجبلية التي بها امتيازك عن سائر المظاهر والمصنوعات، وبها تستحق الخلافة والنيابة عن الله، وبواسطة تلك الوديعة البديعة المودعة فيك كلفك الحق إلى ما كلفك، وأعد لك من المراتب العلية والمقامات السنية عنده ما أعد لك حسب صعودك وترقيك في معارفك، وحقائقك على مقتضى التكاليف التي توصلك إليها إن أخلصت فيها.
فلك أن تتحمل على مشاق التكليفات ومتاعب الرياضات ما دمت في مجال التكاليف ومنازل العروج إلى أن جذبك الحق منك نحوه، ومكنك بموعدك المعهود ومقامك المحمود الذي هو مرتبة الكشف والشهود، وحينئذ اتحد قوسا الوجوب والإمكان، وارتفعت الزبد والأمواج عن بحر العيان، وفزت بما فزت من موالد اللطف والإحسان، فظهر لك حينئذ معنى قوله: { لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } [القصص: 88].
[29 - سورة العنكبوت]
[29.1-6]
{ الم } [العنكبوت: 1] أيها الإنسان الاكمل الأعلم، اللائق لفيضان لوامع أنوار الوجود ولوائح آثار الفضل والجود، المؤيد الملازم لاستكشاف مكنونات ما في مظاهر المكونات من المعظمات آثار الإلوهية، ومكرمات أنواع الربوبية اللامعة اللائحة على نواصي عموم ما ظهر وبطن غيبا وشهادة على التعاقب والتوالي بلا انقطاع وانصرام، أزلا وأبدا، وبلا ذهول وغفلة، وفتور وفترة، بحيث لا يعزب عن حيطة حضرة علمه ذرة من ذرائر ما ظهر ولاح دون إشراق شمس وجهه الكريم.
{ أحسب } وظن { الناس } المنهمكون في الغفلة والنيسان { أن يتركوا } ويهملوا على ما هم عليه من عدم مطابقة قلوبهم لأفواههم، وأعمالهم بنياتهم، وأفعالهم بحالاتهم بمجرد { أن يقولوا آمنا } بلا موافقة من قلوبهم، مع أن الإيمان في الأصل هو الإذعان والقبول والإخلاص بالقلب، والانقياد والتسليم بالجوارح والآلات من لوازمه ومتمماته { وهم } بمجرد ما يلقلق به لسانهم، ويظهره بيانهم طنوا أنهم { لا يفتنون } [العنكبوت: 2] ولا يمتحنون، بلى والله لنبولنهم ونختبرهم بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأمال والأنفس والثمرات، حتى ظهر إخلاصهم في جيع ما آمنوا، فترتب خلاصهم حنيئذ على إخلاصهم.
{ و } ليس افتتاننا واختبارنا إياهم ببدع منا، بل { لقد فتنا } وامتحنا { الذين } مضوا { من قبلهم } من الأمم السالفة، مع أنهم يدعون الإيمان، ويتفوهون ويتقوهون به أمثالهم، ومع ذلك لم نتركهم بلا ابتلاء واختبار، وليس اختبارهم وامتحانهم إلا لإظهار حجتا البالغة عليهم، وإلا { فليعلمن الله } المطلع على ضمائر عباده وسرائرهم { الذين صدقوا } منهم، وأخلصوا في إيمانهم { وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت: 3] أيضا منهم.
وهم الذين لا يخلصون مع الله في حال من الأحوال، وعمل من الأعمال، ولا يسمعون أوامر الله ونواهيه من ألسنة رسله سمع قبول ورضا، وإنما أرادوا بإيمانهم الظاهر الذي أتوا به على سبيل الكراهة إسقاط لوازم الكفر من حقن الدماء، وسلب الذراري ونهب الأموال، وإلا فهم ليسوا ممن يذعنون بدلائل التوحيد وبراهين الإيمان عن صميم قلوبهم، ظنا أنا غافلون عن بواطنهم ونياتهم.
{ أم حسب } أي: بل ظن المسرفون { الذين يعملون السيئات } مصرين عليها، مبالغين في إتيانها { أن يسبقونا } ويفوتوا عنا جزاء ما عملوا، ويسقطوا عن حسابنا ما أتوا به من المعاصي، بل نحن مطلعون عليها حين كانوا في استعداداتهم قبل ظهورهم في فضاء الوجود، فكيف حين وجودهم وظهورهم، وصدور الآثام عنهم بالفعل؟! { سآء ما يحكمون } [العنكبوت: 4] علينا حكمهم وهذا ونسبتهم هذه - أعاذنا الله وعموم عباده عن أمثال هذه الظنون الفاسدة بالنسبة إليه سبحانه - كل ذلك عن جهلهم بالله ويمقتضى عزه وعلوه، وإنكارهم بلقائه والوقوف بين يديهز
إذ { من كان يرجوا } ويأمل { لقآء الله } المتجلي على الأكوان حسب أسمائه العلية وصفاته السنية، ويترصد أن ينكشف له ما هو الموعود من لدنه سبحانه من الدرجات العلية والمقامات السنية حال كونه متأدبا بالآداب المنزلة من عنده بواسطة أنبيائه ورسله، متحملا على متاعب التكاليف ومشاق الطاعات المفروضة المشروعة له، مترقبا للانكشاف والشهود، راجيا لقياه بلا يأس وقنوط، فاز بمبتغاه على الوجه الذي وعد بعدما وفقه الحق وجذبه إلى نفسه { فإن أجل الله } الذي وعده لعباده أن يشرفهم بشرف لقائه { لآت } بلا شك وارتياب { و } كيف لا يشرفهم بعدما وعدهم؛ إذ { هو السميع } لمناجاتهم { العليم } [العنكبوت: 5] بحاجاتهم التي هي الفوز بشرف اللقاء، والوقوف عند سدرة المنتهى، والتدلي إلى مقام دنا فتدلى
Bog aan la aqoon