أجل إنه كذلك، ولكن ينبغي ألا يسيء فهم ما ينفعل به صدره فلعله الاستجابة الطبيعية لمراهق مثله، واصطنع الحذر حتى لا ترمي بنفسك إلى مثل موقفك بالمعادي، فإن الحزن لم يمح بعد من صفحة قلبي ..
35 - مساء الخير يا عمتي.
وتبع جليلة إلى مجلسها المختار في الصالة، وما استقر بهما المجلس فوق الكنبة حتى نادت المرأة خادمتها فجاءت حاملة الشراب وجعلت ترقبها وهي تعد الخوان حتى فرغت من مهمتها وذهبت، وعند ذاك التفتت جليلة إلى كمال قائلة: يا ابن أخي، أقسم لك أنني لم أعد أشرب إلا معك، كل ليلة الجمعة، كما كان يحلو لي أن أشارب أباك في الزمن القديم، ولكن في ذلك الزمن أشارب الكثيرين أيضا ..
وقال كمال لنفسه: «ما أحوجني إلى الشراب، لا أدري ماذا كانت تكون الحياة بدونه!» ثم قال يحاورها: ولكن الويسكي اختفى يا عمتي، وكذلك كافة المشروبات النظيفة، ويقال إن الغارة الألمانية الأخيرة على اسكتلندا أصابت مخزن خمور عالميا حتى سالت الوديان بالويسكي الأصيل .. - يا روحي على غارة من هذا النوع، ولكن خبرني قبل أن تسكر كيف حال السيد أحمد؟ - لا تقدم ولا تأخر، يعز علي يا ست جليلة مرقده، ربنا يلطف به .. - يا ما نفسي أزوره، ألا تجد الشجاعة فتبلغه عني السلام؟ - يا خبر! لم يبق إلا هذا حتى تقوم الساعة!
فضحكت العجوز ثم قالت: أتحسب أن رجلا مثل السيد أحمد يمكن أن يتصور البراءة في إنسان خاصة إذا كان من صلبه؟ - ولو يا زين الستات! .. صحتك .. - صحتك .. ربما تأخرت عطية إذ إن ابنها مريض ..
فقال كمال في شيء من الاهتمام: في آخر مرة لم يكن بها شيء؟ - نعم ولكن ابنها مرض يوم السبت الماضي، روحها المسكينة في ابنها، وهو إذا مسه سوء طارت أبراج عقلها .. - يا لها من امرأة طيبة عاثرة الحظ، طالما أقنعتني أحوالها بأنها لا تمارس هذه الحياة إلا مضطرة ..
فقالت جليلة باسمة أو ساخرة: إذا كان مثلك يضيق بمهنته الشريفة فكيف ترضى هي بمهنتها؟!
ومرت الخادم بمجمرة تنفث بخورا لطيفا، وكان جو الخريف يهفو رطيبا من نافذة في نهاية الصالة، وكانت الخمر شديدة المرارة ولكنها قوية الأثر، غير أن كلام جليلة عن المهنة ذكره بأمور كاد ينساها فقال: كنت أنقل من مصر يا عمتي، ولو وقع المحذور لكنت الآن أعد الحقائب للسفر إلى أسيوط!
فضربت جليلة صدرها بكفها وقالت: أسيوط يا بلح! أسيوط في عين عدوك، وماذا حصل؟ - سليمة والحمد لله! - معارف والدك يملئون الدواوين كالنمل ..
فهز رأسه كالموافق دون تعليق. إنها ما زالت ترى أباه في هالة المجد القديم، لا تدري أنه - حين أخبره عما تقرر عن نقله - قال محزونا آسفا: «لم يعد يعرفنا أحد، أين أصدقاؤنا أين؟» وقبل ذلك مضى إلى صديقه القديم فؤاد جميل الحمزاوي لعله يعرف أحدا من كبار رجال المعارف ولكن القاضي الخطير قال له «إني آسف جدا يا كمال؛ فأنا بصفتي قاضيا لا أستطيع أن أرجو أحدا»، وأخيرا لجأ إلى رضوان ابن أخيه وهو يتعثر بخجله، وفي نفس اليوم عدل عن نقله! يا له من شاب خطير، كلاهما موظف في وزارة واحدة وفي درجة واحدة رغم أنه في الخامسة والثلاثين والشاب في الثانية والعشرين، ولكن كيف ينتظر خوجة ابتدائي أفضل من هذا؟ ولم يعد من الممكن أن يتعزى بالفلسفة أو يدعيها، فليس الفيلسوف من ردد أقوال الفلاسفة، كالببغاء، واليوم كل متخرج في كلية الآداب يستطيع أن يكتب كما يكتب هو أو أحسن، وقد كان هناك ثمة أمل في أن يجمع ناشر مقالاته في كتاب، ولكن لم يعد لمثل هذه المقالات التعليمية من قيمة تذكر، وما أكثر الكتب هذه الأيام، وهو في هذا الخضم لا شيء، وقد مل حتى طفح بالملل: فمتى يدرك قطاره محطة الموت؟ ونظر إلى الكأس في يد عمته، ثم إلى وجهها الناطق بعمرها المديد فلم يسعه إلا الإعجاب بها، ثم تساءل: ماذا تجدين في الشراب يا عمتي؟ فافتر فوها عن أسنان ذهبية وهي تقول: وهل تحسبني أشرب الآن؟ مضى ذاك الزمان، لا طعم لها اليوم ولا أثر، كالقهوة لا أكثر ولا أقل، في الزمان الأول سكرت مرة في فرح ببيرجوان حتى اضطر التخت أن يحملني إلى عربتي آخر الليل، ربنا يكفيك شرها..! - «ولكنها خير من لا خير له.» - وذروة النشوة هل عرفتها؟ كنت أبلغها بكأسين، اليوم يلزمني ثمانية كئوس كي أبلغها، ولا أدري كم غدا، ولكنها ضرورية يا عمتي، فعندها يرقص القلب المكلوم طربا .. - قلبك طروب يا ابن أخي دون حاجة إلى الخمر ..
Bog aan la aqoon