Safwat Casr
صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر
Noocyada
وفي أول أبريل سنة 1886م عين قليني باشا عضوا في الدائرة السنية، وكانت هذه بمثابة مجلس ابتدائي لمجلسها الأعلى.
ومما يذكر له بالمدح والإطراء من أعماله فيها أن جل القواعد الأساسية، التي وضعت للدائرة السنية إنما هي من موضوعاته ومقترحاته، وله من الطرق الإصلاحية والاقتصادية في أحوالها الزراعية أعمال كثيرة، نال بسببها ثقة قلما حازها غيره من وصفائه، فكانت كتب الشكر تترى عليه من جانب المجلس الأعلى حينا بعد حين.
وفي مارس سنة 1887 أنعم الجناب العالي المغفور له توفيق باشا الخديوي الأسبق عليه برتبة المتمايز الرفيعة الشأن.
وفي أول شهر يناير سنة 1888 عين مفتشا عاما للدائرة السنية، فلم يكن من مشكل في أعمالها إلا كانت له اليد البيضاء في حله.
أخبرني أحد العارفين بسيرته قال: ورد إلى الدائرة ذات يوم كتاب من مفتش لها في بلاد الصعيد، وكان موثوق بقوله لديها قال فيه: إنه لا ثقة له بجميع مستخدمي ذلك التفتيش، وطلب نقلهم كلهم إلى تفاتيش الدائرة الأخرى مبينا لذلك أسبابا يتوهم المطلع عليها صدقها، وأن في الأمر غاية غير محمودة العقبى، وقال في آخر كتابه هذا: إنه إذا لم تجبه الدائرة إلى ما يطلب فلا مسئولية عليه فيما يكون، فارتجت لذلك الكتاب أرجاء الدائرة، وأوشك المجلس الأعلى أن يقرر فيه بالإجابة، لولا أن قام من بين أعضائه طالب يسأل التروي قبل هذا القرار، وارتأى أن يعهد إلى صاحب الترجمة في التحقيق أولا، فإذا ظهر أن القول حق لم يكن لاحتمال الظلم مظنة في النفوس، فذهب قليني باشا واستبان شيئا ما كان ليخطر بالبال، ذلك أن المفتش المذكور من أحقر أسر تلك الجهة، وكأنه لما خفقت على رأسه راية هذه الوظيفة عز عليه أن يكون بين جماعة من المستخدمين عارفين بحقيقة نسبه، فلا يرونه بالنظر الذي يود أن يروه به من التجلة وعلو المقام، فكتب ما كتب من غير أن يكون لذلك من سبب، ورفع صاحب الترجمة تقريره بما انتهى إليه في التحقيق على هذه الحال طالبا عقاب المفتش على افترائه، وأن تسلخ عنه كل ثقة للدائرة فيه، قال: وإلا فإذا دامت الدائرة على وثوقها به فلا تجعل هذه الفئة الضعيفة من المستخدمين ضحية عاجلة له، بل تعمل في نقلهم على سنة التدريج حتى لا يكون من ذلك اضطراب في الخواطر والأفكار، فأجيب إلى طلبه الأول ونال مزيد الثناء والشكر لاهتدائه إلى الحق، وله مواقف عديدة من هذا القبيل منها ما يأتي:
كان المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق وهب المرحوم خيري باشا خمسمائة فدان من أراضي تفتيش طناح، وكأن المساح الذي سلمها إليه كان يتوقع منه رشوة، فلم يجبه إليها لذلك أنقص من الأرض المذكورة عشرين فدانا موهما إياه أنه حاصل على حقه تماما، فلما علم المرحوم خيري باشا ذلك كتب إلى الدائرة مرارا يشكو معاملة المساح ويسأل إنصافه منه، فعينت لهذا الغرض قومسيونا إثر ثان عقب ثالث بعد رابع إلى أن بلغ عددها اثني عشر، والكل يرجع قانعا بقول المساح، فعهد إلى صاحب الترجمة أخيرا في حل هذه المشكلة، فلما توجه إلى تلك الناحية علم مما حققه أن المساح قد غدر بصاحب الأرض فيما شكا منه، فاستدعاه إليه وسأله في ذلك فأنكر، فأصدر أمرا أن يمسح أطيان الدائرة السنية في طناح على حدة، ثم أراضي المرحوم خيري باشا أيضا، وأن يكون هذا بمحضر جماعة المساحين انتخبهم المترجم، قال له: فإن كان في أراضي الدائرة زيادة يقابلها نقص مثلها في أرض المشتكي فهي من حقه، وإلا فلا. ارتعدت فرائص الرجل ووقع على قدميه معترفا بالحقيقة سائلا العفو مدعيا أنه فعل ما فعل على ظن أنه خدمة منه للدائرة يقابل أوفى الجزاء عليها، فأهانه الباشا أشد الإهانة وطلب طرده من خدمة المصلحة، وأمر بتسليم القدر الناقص إلى مستحقه مكلفا الدائرة بتأديتها إجارة في المدة التي لبثت فيها مالكة له من غير حق.
وفي سنة 1888 أنعم عليه بالنشان المجيدي من الدرجة الثالثة، وفي يوليو سنة 1890 وقع اختيار صاحب الدولة رياض باشا رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية والداخلية وقتها عليه، فعينه مديرا للإدارة العمومية ومراقبا للأموال الغير مقررة في وزارة المالية، فجاءه مزودا من الدائرة السنية بجواب كله مديح له وثناء طيب عليه؛ لما أظهره في خدمته فيها من عالي الهمة والنشاط والجد بأفضل ما عرف عن كبار الموظفين، فسار إليها سيرا حميدا دل على فضله وقدرته على رتق الفتوق، وإصلاح كل فاسد من الأعمال، وكان محط آمال المصلحين فيما أصلحوا، وفي أكتوبر سنة 1891م منح من لدن الحضرة الفخيمة الخديوية النيشان العثماني من الدرجة الثالثة، وفي ديسمبر سنة 1892 حاز النيشان المجيدي الثاني.
وقد أحيلت عليه أعمال الدخوليات بالمملكة المصرية علاوة على ما تقدم، وفي يناير سنة 1893 عين مراقبا عموميا للأموال غير المقررة والدخوليات، فلما تولى هذه الإدارة جعل يعمل فيها بما حقق الثقة به، وأطلق الألسنة بشكره والثناء عليه، وناهيك برجل شهد الناس بجدارته وذكائه، فأصبح في مصاف المصلحين في هذا العصر، ولو أني عددت من مآثره في هذه الإدارة كل ما وصل علمي إليه لأسهبت في البيان بما لم أرتسمه لنفسي في كتابة هذه الترجمة، ولكنك إذا ما رأيت هذين الساحلين العظيمين في مصر: ساحل روض الفرج، وساحل أثر النبي بأحسن نظام خصت به أوسع البلاد تمدنا وحضارة؛ علمت سعي الرجل في إعلاء شأن مصلحته ومستخدميها، حيث مهد لهم درجات يرقون إليها على القاعدة المتبعة في الحكومة، وجعل منهم رجالا للضابطة القضائية وآخرين في وظائف عالية، وعرفت ما يعامل به المتمولون من اللطف والدعة في قضاء مصالحهم، وما يصادفونه من دواعي التسهيل والمساعدة.
واستطلعت عواطف الرجل نحو بني الإنسان بسعيه على الدوام في إلغاء عوائد الأصناف الكثيرة التداول بين الفقراء وإبطالها أصلا، من نحو اثنتي عشرة عائدة في أرياف مصر مما كان يبلغ دخله 100000 جنيه، ومعافاة جميع المراكب وإضرابها من رسوم الهويسات، التي كانت تقدر بمبلغ 80000 جنيه، وتجاوزه عن عوائد الغيطان والجنائن في داخل مدينة مصر.
ورأيت مع هذا التجاوز وذلك التسهيل كله أن إيرادات مصلحته قد زادت عما كانت عليه قبل أن تلقى إليه مقاليدها بمبلغ 334320 جنيها، ولاحظت رفقه بالحيوان إلى حد أنه لم يستطع أن يسمع أو يرى تلك القسوة التي كانت تعامل البهائم بها من كيها بالنار فأبطلها قائلا: إنه ليس لهذه الحيوانات من ذنب جنته علينا فنؤاخذها بعذاب أليم مثل هذا، وأن لا سبيل لنا إلا إذا كان ثم ذريعة أخرى أدعى إلى الغاية المقصودة منه.
Bog aan la aqoon