آلمته سخريتها وهي تتساءل: «هل نسيت؟» وأدرك لتوه أن حسن سليم - يا للحماقة - قد ظن بلقاء الكشك الظنون، فكاشف حبيبته بشكوكه، أو نسبها إليه ليتحقق منها، حيل خبيثة راح هو ضحيتها، قال بحزن وحنق: أنكر، أنكر بكل قوة وصدق، إني نادم على حسن ظني بحسن.
فقالت بكبرياء كأنما اعتبرت جملته الأخيرة موجهة إليها هي: إنه عند حسن الظن دائما.
زفر غبارا، وخيل إليه أن أبا الهول قد رفع قبضته الجرانيتية الهائلة التي لم تتحرك منذ آلاف السنين، ثم هوى بها عليه، فهرسه وواراه تحتها إلى الأبد، قال بصوت متهدج: إذا كان حسن هو الذي أبلغك عني هذه الأكاذيب فهو كاذب وضيع، ويكون هو الذي اغتابني لا أنا الذي اغتبتك.
لاحت في عينيها الجميلتين نظرة قاسية، وتساءلت بحدة: أتنكر أنك انتقدت أمامه اختلاطي بأصدقاء حسين؟
أهكذا يحرف النبل الأرستقراطي الكلام؟ قال بتأثر شديد: كلا، لم يحصل ذلك، علم الله أني لم أقله منتقدا، ولكنه ادعى ادعاءات كبيرة، قال ... قال إنك تحبينه! وقال إنه إذا شاء منعك من الاختلاط بنا، ولم أكن أقصد ...
قاطعته قائلة بازدراء وهي تقف منتصبة القامة في كبرياء، حتى تموجت هالة شعرها الأسود بحركة رأسها المرفوع. - أنت تهذي، لا يهمني ما يقال عني، إني فوق هذا كله، ولا خطأ لي فيما أعتقد إلا أنني أهب صداقتي دون تمييز.
وأنزلت بدور إلى الأرض وهي تتكلم، فتناولت يدها، ثم ولته ظهرها، وغادرت الكشك، فهتف بها متوسلا: انتظري لحظة من فضلك كي ...
ولكنها كانت قد ابتعدت، وكان صوته قد علا أكثر مما ينبغي حتى خيل إليه أنه أسمع الحديقة كلها، وأن الأشجار والكشك والكراسي ترمقه بنظرة جامدة ساخرة، فأطبق فاه، واعتمد براحته حافة المائدة، فمال فرعه الطويل كأنما انحنى تحت ضغط القهر. لم يمكث وحده طويلا، فما لبث أن جاء حسين شداد طلق المحيا كعادته، فحياه تحيته الصافية الحلوة، وجلسا على كرسيين متجاورين، وتبعه بعد قليل إسماعيل لطيف، وأخيرا جاء حسن سليم يسير في خطواته المتمهلة، وحركاته المترفعة. وتساءل كمال في حيرة: ترى ألم يلمحهما حسن من بعيد كما لمحهما في المرة السابقة؟ ومتى - وكيف - يدري بما دار بينهما من حديث قاطع أسيف! وانفجر في صدره الغيظ والغيرة كما تنفجر الزائدة، بيد أنه آلى على نفسه ألا يشمت به غريما، وألا يضع شخصه موضع السخرية أو العطف الزائف، وألا يمكن أحدا من أن يطالع في صفحة وجهه أثرا مما تضطرب به جوانحه، فألقى بنفسه في تيار الحديث، ضحك لملاحظات إسماعيل لطيف، وعلق طويلا على تكون حزب الاتحاد وخروج الخارجين على سعد زغلول والوفد، ودور نشأت باشا في هذا كله، بالاختصار مثل دوره خير تمثيل حتى انفض المجلس بسلام. وغادر كمال وإسماعيل وحسن سراي آل شداد عند الظهر، وكأن كمال لم يعد يحتمل مزيدا من الصبر، فخاطب حسن قائلا: أريد أن أحدثك قليلا.
فقال حسن بهدوء: تفضل.
فنظر كمال إلى إسماعيل كالمعتذر، وقال: على انفراد.
Bog aan la aqoon