178

" قوموا " ظاهر في استيائه منهم، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم وأظهر الارتياح إليها. ومن ألم بأطراف هذا الحديث، ولاسيما قولهم: " هجر رسول الله " يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه انما يريد أمرا يكرهونه، ولذا فاجؤوه بتلك الكلمة وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى. وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة وعدها رزية دليل على بطلان هذا الجواب. قال المعتذرون: ان عمر كان موفقا للصواب في أدراك المصالح، وكان صاحب الهام من الله تعالى. وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا لانه يرمي إلى ان الصواب في هذه الواقعة انما كان في جانبه، لا في جانب النبي، وأما الهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الامين صلى الله عليه وآله. وقالوا: بأنه أراد التخفيف عنه صلى الله عليه وآله اشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب املاء الكتاب في حال المرض، وأنت تعلم ان في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي، وبرد فؤاده وقرة عينه، وأمنه على امته صلى الله عليه وآله من الضلال. على ان الامر المطاع، والارادة المقدسة مع وجوده الشريف انما هما له، وقد أراد - بأبي وأمي - احضار الدواة والبياض، وأمر به فليس لاحد أن يرد أمره أو يخالف ارادته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (217). على ان مخالفتهم لامره في تلك المهمة العظيمة، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده كان أثقل عليه وأشق من املاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال

---

(217) سورة الاحزاب آية: 36.

--- [161]

Bogga 160