Wadahadalada Alfred North Whitehead
محاورات ألفرد نورث هوايتهد
Noocyada
وانتقينا مقعدين كبيرين إلى جوار الموقد، وأخذ يتحدث عن الصحف.
قال: «إن الصحف الأمريكية تترك في القارئ من عناوينها انطباعا خاطئا تماما، فإذا ما شرع القارئ في الاطلاع على ما ورد تحت العناوين وجد أن محرريه قوم معقولون جدا، وهم فيما يسمح لهم به من مجال أشد إنصافا من المحررين الإنجليز لخصومهم في السياسة. إن الصحف الإنجليزية أحسن تحريرا على وجه الإجمال، ولكن عندما يرتفع مستوى الكتابة في الصحف الأمريكية، فإني أعتقد أنه يعلو المستوى الإنجليزي.»
قلت: «ذلك يتفق مع بعض خبرتي؛ في الصيف الماضي كنت أحرر مقالا عن معرض مخطوطات فاجنر في بيروت لصحيفة «تايمز» اللندنية، ولم أجد تحريره كما لو كتبته ل «بوست جلوب»؛ لأن التايمز تريد أن يتخلص الأسلوب من كل زبرجة.»
والظاهر أن هوايتهد كان كذلك يعلم أن اليوم يوافق يوم الذكرى، وأخذ يتحدث عن بعد الكتب - التي ألفها الأساتذة عن الحرب العالمية - عن الواقع: «إنهم يفحصون الأوراق الرسمية
إن التاريخ الحقيقي لا يكتب لأنه ليس في عقول الناس، ولكن في أعصابهم وقلوبهم.» - «هب أن ثقافتنا الأمريكية قد محيت، فمن ذا تظن أننا قد أنجبنا حتى الآن ممن يستطيع أن يكون عونا دائما للعالم؟» - «والت هويتمان.» - «أليس أمرسن؟» - «لقد أمعنت في قراءة أمرسن في شبابي، ولكني أستسمح جيراني الطيبين، أسرة فربيز وهم «حفدة أمرسن» في أن أقول إنه لم يكن شديد الابتكار، في حين أن هويتمان قد أدخل في الشعر شيئا لم يكن فيه من قبل، وكثير من أقواله فيه من الجدة ما كان يضطره إلى اختراع صيغة جديدة للتعبير. يبدو لي أن هويتمان كان واحدا من عظماء الشعراء القلائل الذين وجدوا في التاريخ. إنه يستطيع أن يقف بسهولة إلى جوار الشعراء الأوروبيين العظماء حقا ... إذا اندثرت المدنية الإنجليزية قبل عام 1500م، ما كانت الخسارة فادحة، فإن شوسر لا يبلغ قامة دانتي أو هومر، ومع أنه لدينا بعض الكاتدرائيات الجميلة، إلا أن الفن الغوطي الإنجليزي لا يبلغ من الجودة مبلغ الفن الغوطي الفرنسي، ولكنك لو حطمت الحضارة الإنجليزية من عام 1500م إلى عام 1900م أفقرت العالم كثيرا؛ لأنها أضافت شيئا هاما إلى تقدم الروح البشري.»
قلت: «لاحظت في كلية ونشستر في الصيف الماضي شيئا اعتقدت أن له قيمته؛ فقد ساقني رجينولد كوبلاند كما ساق سام موريسون من أكسفورد لكي يرينا أين كانت مدرسته، وأثناء مرورنا بحجرات الصفوف العليا من التلاميذ لاحظت على مكاتبهم نصوص أيسكلس، وثيوسيديد، وغيرهما من «العصر العظيم»، ولم تكن نصوصا دراسية مجموعة لتلاميذ المدارس، وإنما كانت الأصول العريقة بعينها. فسألت كوبلاند: «هل يدرس هؤلاء التلاميذ المؤلفين المسرحيين والمؤرخين في القرن الخامس في هذه السن؟ وأجابني: كلا، إنهم يقرءونهم من تلقاء أنفسهم. أما في هارفارد فيحسن بالطالب أن يقرأ هؤلاء المؤلفين في العام الثاني من دراسته الجامعية، لشد ما كان ذهولي.»
فقال هوايتهد محذرا إياي: «يجب أن تذكر أن التلاميذ في ونشستر مجموعة مختارة، يخضعون لنوع فريد جدا من التدريب، يتأثرون به غاية التأثير. إنهم يكتسبون في هذه الناحية مهارة فائقة، فإن جاوزوها كانوا على جهالة شديدة. إنهم يعرفون الكثير عن عادات الرومان في عصر حروب قرطاجنة، ولكنهم قليلا ما يعلمون - بل قد لا يعلمون شيئا - عن المشكلات الراهنة في بلدهم وزمانهم. إنهم يتفوقون في الجامعات، ويشتهرون في المهن، ويذيع صيتهم كرجال إدارة في المستعمرات، أو موظفي حكومة، ولكن ما نصيبهم من الفنون المبتكرة؟ لا أحسب أنك تجد منهم الكثير متفوقين في هذا الميدان. إنهم يحسنون الكتابة، ولكن بخيال محدود. الطلبة الأمريكان أقل معرفة، ولكنهم أشد شغفا بالتعلم. أما التلاميذ الإنجليز فهم أقل شغفا وأكثر علما. الطالب الأمريكي قليل المعرفة فيما يهمه، والطالب الإنجليزي كثير المعرفة فيما يبدو أنه لا يهمه كثيرا.» قال هوايتهد ذلك وبريق الضحك يترقرق في عينيه الزرقاوين اللامعتين.
فوافقته وعقبت بقولي: «أجل، ولكن التربة الثقافية في أوروبا بأسرها أشد خصوبة.» - «إنك شديد الاهتمام بالتربة. ليس الأمر أمر التربة، فأنتم من الشعب الأوروبي عينه، وتستطيعون تناول التاريخ الأوروبي بأسره، غير أن الأمريكان شديدو الخجل.» - «يسترعي نظري أن كتابنا لا يعرفون ما يكفي.» - «حقا إن أكثر عظماء الكتاب كانوا يعرفون الكثير، ولكن من الجائز أن يعرف الإنسان أكثر مما ينبغي، إنما المراد «إحساس» عميق بالأشياء. والخطر الكامن في المدنيات القديمة هو أن تعاليمها ربما كانت «أطيب» مما يجب، وذلك يثبط من همم التلاميذ. إنهم يعرفون الكثير عما تم عمله، وهم يحسنون الكتابة، ولكن بغير جدة. من السهولة القاتلة لعصر من
لقد لبثت أكسفورد تعلم الأدب القديم قرونا عدة، ورفضت كمبردج قرونا عدة رفضا باتا أن
- «لا يستطيع أحد - على الأقل - أن يشكو أن عصرنا لا يمدنا بالمثيرات الكثيرة ليكتب فيها الكتاب. أما المشكلة في التاريخ فهو أنه يمدنا بأكثر مما نتطلب.»
Bog aan la aqoon