وكان أكثر ما يميز هذا الجيل وأفراده هو أنهم قد اتجهوا اتجاها مخالفا للجيل السابق عليهم مباشرة، إذ عمدوا أساسا إلى الرجوع إلى الموروث الأدبي والفكري الإسباني، محاولين ابتعاثه وسبر أغواره والخروج منه بالأفكار الإسبانية الأصيلة، وعادوا إلى درر الأدب الإسباني في عصره الذهبي، يستلهمونها ويعيدون تقديمها بروح تفسيرية ونقدية جديدة، مما أدى إلى ابتعاثهم مؤلفين، كان النسيان قد أسدل ستاره عليهم، أبرزهم «لويس جونجرا» (1561-1627م)، شاعر القرن السادس عشر الميتافيزيقي الإسباني، وكانت الأبحاث التي قدمتها جماعة 27 في مهرجان إشبيلية تدور حول ذلك الشاعر الغابر، بمناسبة مرور ثلاثمائة عام على وفاته، وقد وجد أعضاء الجماعة في شعره إرهاصات فكرية للنزعة السيريالية التي كانت في أوجها آنذاك، وكان أكثر ما عادوا إليه من التراث الإسباني - عدا أعمال «جونجرا» - أعمال سرفانتس ولوبي دي فيجا وكالديرون دي لاباركا وفراي لويس دي ليون ويوحنا الصليبي وجوستافو أدولفو بيكر وكيبيدو، وهم كلهم شوامخ الأدب الإسباني ممن صاغوا الضمير الإسباني في عصرهم وفي كل العصور، غير أن هذا لم يمنع أن يتأثر أفراد جيل 27 في نفس الوقت بتيارات الحداثة، التي وفدت إلى إسبانيا من فرنسا وألمانيا أساسا، فكلهم تأثروا بالسيريالية والدادائية والماورائية
Ultraism ، ومزجوا بينها وبين ملامح أفكارهم الإسبانية الأصيلة في وحدة فنية منصهرة.
كذلك تميز أعضاء الجيل بالاستعمال الفريد للاستعارة والصور الفنية في أعمالهم، إذ إنهم قد تركوا لأنفسهم حرية مطلقة في ربط أي شيء بأي شيء آخر يصل إليه خيالهم، وبحثوا في أعماق الشعور عن صلات خفية ذاتية بين الأشياء، فأنتجوا بذلك صورا شعرية جديدة غريبة فريدة، وستكون هذه الصور الفريدة أهم ما يميز شعر لوركا في مرحلته التالية، والتي ستتخذ بعد ذلك منحى مبالغا فيه مع دخوله ذروة تلك المرحلة، مرحلة السيريالية الشعرية.
وقد قام لوركا بإعداد بحث عن شعر «جونجرا»، استغرق منه ثلاثة شهور، لإلقائه في مهرجان إشبيلية، وقد قال في ذلك البحث: إن الأساتذة يشيرون عادة إلى «جونجرا» بوصفه شاعرا عتيقا، أصبح فجأة شاعرا مغرقا في الصفة، وأنه حمل اللغة إلى آخر ما تستطيع، فثنى المعاني واخترع قوافي وإيقاعات غريبة على الذهن العادي، وعكف لوركا على دحض هذه الأقوال، بتبيان كيف أن الصور التقليدية التي تجري على ألسنة الناس العاديين، لم تكن غريبة عن الصور التي ابتدعها «جونجرا»، مثل تسمية الطرف البارز من أسطح المنازل «فخا منصوبا»، أو تسمية نوع من الحلوى بشرائح السماء، أو نهدات الراهبات، أو تسمية القبة بنصف برتقالة، وقال لوركا في بحثه: «على الشاعر أن يكون أستاذا في الحواس الخمس، وهي كما أرتبها: الإبصار - اللمس - السمع - الشم - الذوق، وعليه، من أجل أن يصبح سيد أجمل الصور الشعرية، أن يفتح باب الاتصال بين جميع هذه الحواس، وعليه في أحيان كثيرة أن يطبع مشاعر حاسة منها على مشاعر حاسة أخرى، بل وحتى أن يغطي طبائعها ويخفيها ...»
ما أقرب هذا إلى ما كتبه الدكتور «إحسان عباس» في كتابه «فن الشعر»،
1
في الفصل الذي عقده للمدرسة الرمزية، من أن «ادجار ألان بو» - رائد الرمزية - «كان يريد أن يتخلص من أغلال الرومانطيقية ويدعو إلى خطة مغايرة لها، فيدعو إلى عدم المحدودية في موسيقى الشعر، إلى انطلاق إيحائي مبهم، لا بالخلط بين عالم الواقع وعالم الخيال، بل بالخلط بين وظائف الحواس نفسها، ونحن نجد «بو» في بعض قصائده «يسمع» قدوم الظلام، ويقول في قصيدة أخرى: «ومن كل قنديل انساب في أذني صوت رتيب ناغم لا ينقطع! ولذلك كان أول ما يبشر به الرمزيون إجراء الفوضى في مدركات الحواس المختلفة، ومحاولة الوصول بالشعر إلى اللامحدودية التي وصلها فن الموسيقى».
ومضى لوركا في بحثه الذي ألقاه عن «جونجرا» يقول: «إن جونجرا في شعره يتناول الأشكال والموضوعات الكبيرة الحجم بنفس الحب والصدق الذي يتناول بهما صغار الأشياء، وبنفس العظمة الشعرية، فالتفاحة عنده تثير في النفس ذات الكثافة في الشعور التي يثيرها البحر، والنحلة مليئة بنفس الدهشة التي تمتلئ بها الغابة، وهو يرقب الطبيعة بعين نفاذة، ويعجب بجمال هوية الأشياء التي تتساوى في جميع أشكالها؛ ولهذا السبب فإن التفاحة لديه تماثل البحر ... فحياة التفاحة، من لحظة انبثاقها إلى الوجود كبرعم صغير حتى سقوطها ناضجة ذهبية من الشجرة إلى الأرض، هي عملية عظيمة ومليئة بالأسرار، كعملية إيقاعات البحر اللانهائية. وعلى الشاعر أن يدرك ذلك، فعظمة الشعر لا تعتمد على عظمة موضوعه، ولا على حجمه ولا على مشاعره، فالشاعر قد يصنع قصيدة ملحمية عن الصراع الذي يقع بين مختلف الخلايا النباتية وسط أغصان الكرمة، أو يعطي انطباعا لا نهاية له للمطلق عن طريق شكل الوردة وعبيرها لا غير.» وهذا ما فعله لوركا نفسه في بعض أعماله مثل التراجيديا الشعرية، التي كتبها عن غرام صرصار بفراشة.
وقد صفق الحاضرون طويلا للبحث الذي ألقاه لوركا في المهرجان، ودعوه في ليال أخرى إلى تلاوة قصائد ديوانه «حكايا الغجر» عليهم، رغم أن تلك القصائد لم تكن قد صدرت بعد على شكل ديوان، وإنما كان صيتها قد طار بين أوساط الفنانين والشعراء جميعا.
وقد ترك مهرجان «جونجرا» عام 1927م أثرا عميقا في شعر لوركا أبعد وأعمق من أثر الدادائية والسيريالية، إذ جعله يقرن بتلك الحركات الطليعية أيامها انغماسا رقيقا في بئر الشعر الإسباني في ماضي العصور، واقترن كل هذا عنده بصورة جديدة من الشكل التركيبي الهندسي للقصيدة، واستخدامات جديدة أصيلة للفعل اللغوي، لا بد أنه استوحاها عن البناء العربي والإسلامي الذي فتح عينيه عليه في ربوع غرناطة والأندلس، مثل قصور الحمراء التليدة ورياض جنة العريف، ويستبين في ثلاث قصائد طويلة للوركا، وهي «أنشودة إلى قدس الأقداس» و«أنشودة إلى وولت ويتمان»، و«القديسة لوسي والقديس عازر»، الاتجاه ناحية «الجنجورية» الجديدة التي سوف تنمو وتتطور لديه أكثر من ذلك، حين يخرج من إسبانيا في رحلته الأمريكية، وتصوغ نفسها في تركيبة فريدة يمكن أن يطلق عليها «السيريالية الإسبانية»، هي ذات صلة وثيقة بلوحات دالي التي يمكن أيضا إرجاع أصلها إلى فن الشاعر الإسباني جونجرا، لقد وضع لوركا في تلك القصائد الثلاث قدمه على أول الدرب، الذي سيقوده بعد ذلك إلى مرثية مصارع الثيران، ثم إلى قصائد «شاعر في نيويورك»، وقد نعى كثير من النقاد تلك النقلة الكبيرة في فن لوركا، من مرحلة غنائية فولكلورية دافقة إلى مرحلة سيريالية مغرقة في إبهامها، ولكن لوركا ، كما بنيت الناقدة «ملدرد آدمز» بحق في كتابها عن الشاعر، قد أقام ما يكفي في صرح الغنائية الزاهي الراقد على أرباض قصر الحمراء، وأنه لم يكن من الممكن ألا يتأثر بالجو الفني والفكري السائد أيامها، فالوقت آنذاك كان وقت ثورة واضطراب في كل شيء، حين كان العالم يقرأ الأرض الخراب لإليوت وعوليس لجيمس جويس، وأشعار أندريه بريتون السيريالية.
Bog aan la aqoon