361

Lawamic Anwar

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

Daabacaha

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

Daabacaad

الثانية

Sanadka Daabacaadda

1402 AH

Goobta Daabacaadda

دمشق

Noocyada
Hanbali
Boqortooyooyin
Cismaaniyiinta
لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِلْقَدَرِ بِالْقَدَرِ، فَهَذَا تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، وَتَارَةً يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَالْمَقْضِيُّ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ الرَّبُّ وَلَا يَرْضَاهُ مِثْلَ الْمَعَايِبِ وَالذُّنُوبِ، فَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِسُخْطِهِ، وَمَنْهِيٌّ عَنِ الرِّضَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّفْصِيلُ الْوَاجِبُ بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ» يَجِبُ الرِّضَا «بِالْقَضَاءِ» فَإِنَّ لَفْظَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ لَفْظٌ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِينَ، فَصَارَ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْجَبَتْ لِطَائِفَةٍ قَبُولَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَقْضِيًّا لِلرَّبِّ - تَعَالَى - مَخْلُوقًا لَهُ يَنْبَغِي الرِّضَا بِهِ، ثُمَّ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَالرِّضَا مُتَلَازِمَيْنِ فَمَعْلُومٌ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِتَغْيِيرِ الْمَعَاصِي، وَالْكُفْرِ، وَالظُّلْمِ، فَلَا تَكُونُ مَقْضِيَّةً مُقَدَّرَةً - وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: قَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَةٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَنَحْنُ نَرْضَى بِهَا؛ كَالْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سَبِيلِ ضَلَالٍ وَانْحِرَافٍ عَنْ نَهْجِ الْحَقِّ وَطَرِيقِ الصَّوَابِ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، فَنَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَرْضَى بِهِ، وَلَا نَرْضَى مِنْ ذَلِكَ بِالْمَقْضِيِّ، مِمَّا نَهَانَا عَنِ الرِّضَا بِهِ، فَنَرْضَى بِالْقَضَاءِ وَنَسْخَطُ مِنَ الْمَقْضِيِّ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَيَرْضَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: «لِأَنَّهُ» أَيِ الْقَضَاءُ «مِنْ فِعْلِهِ» أَيْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَ«تَعَالَى» - وَهَذَا أَحَدُ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَنَرْضَى بِفِعْلِهِ - تَعَالَى - دُونَ الْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْعَبْدِ، وَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى أُصُولِ مَنْ يَجْعَلُ مَحَبَّةَ الرَّبِّ وَرِضَاهُ وَمَشِيئَتَهُ وَاحِدَةً، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَا شَاءَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَضَاهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ؛ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ وَلَا عِنْدَهُ هَذَا التَّفْصِيلُ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَيْضًا هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْقَضَاءَ غَيْرَ الْمَقْضِيِّ، وَالْفِعْلَ غَيْرَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عِنْدَهُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: إِنَّمَا نَشَأَ الْإِشْكَالُ مِنْ جَعْلِهِمُ الْمَشِيئَةَ نَفْسَ الْمَحَبَّةِ، ثُمَّ زَادَ بِجَعْلِهِمُ الْفِعْلَ نَفْسَ الْمَفْعُولِ، وَالْقَضَاءَ عَيْنَ الْمَقْضِيِّ، فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ إِلْزَامُهُمْ بِكَوْنِهِ - تَعَالَى - رَاضِيًا مُحِبًّا لِذَلِكَ، وَالْتِزَامُ رِضَاهُمْ بِهِ، وَالَّذِي يَكْشِفُ هَذِهِ الْغُمَّةَ وَيُنْجِي مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ، وَهُوَ الْمَشِيئَةُ وَالْمَحَبَّةُ، فَلَيْسَا وَاحِدًا وَلَا هُمَا مُتَلَازِمَانِ، بَلْ قَدْ يَشَاءُ مَا لَا يُحِبُّهُ، وَيُحِبُّ مَا لَا يَشَاءُ كَوْنَهُ،

1 / 361