Kashif Amin
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
أما الأصل الأول: فهو معلوم بالضرورة من حيث أن أحدنا متى أراد الانصراف إلى حاجة مما يتعلق بمصالحه ومنافعه وأخذ في الفعل الذي هو مظنة حصولها حصل منه ذلك الفعل لا محالة قضيت أو لم تقض نحو طحن الحب وعجنه وخبزه وتناوله للأكل، ونحو نقل الماء وإحرازه إلى الإناء وتناوله للشرب، وحراثة الأرض، والسفر إلى الأقطار،ولطلب الزراعة وربح التجارة سواء حصلت بعد ذلك العين المطلوبة وهي الغلة والربح أو لم تحصل لأنها أعيان وأجرام لا يقدر على إيجادها العبد، وإنما يقدر على ما هو كالسبب في حصولها وهو الحراثة والسفر وعقد الشراء والبيع ونحو ذلك.
إن قيل: وما يدريكم أن هذه الأفعال يخلقها الله فيكم عند أن تقصدونها وتريدون فعلها؟.
قلنا: لو كانت من فعل الله تعالى وخلقه فينا لكانت تختلف الحال فيها فكانت تحصل في بعض الأحوال عند أن لا نقصدها، وتمتنع في بعض الأحوال عند أن نقصد فعلها، والمعلوم ببديهة العقل أن الصحيح البدن متى أراد القيام والمشي وأخذ في فعلهما حصلا لا محالة ومتى لم يردهما لم يحصل شيء منهما البتة، ولو كانت بخلق الله تعالى لكانت بمثابة حصول الغلة وربح التجارة تارة يحصلان بعد وجود ما هو كالسبب لهما وتارة يختلفان.
وبعد فهذا يؤدي إلى رفع الثقة بالمعاملات لأنه يقتضي أن الأفعال الظاهرة من الإنسان من عقود البيع والنكاح والطلاق ليست واقعة منه فلا يلزم حكمها، ويؤدي إلى أن شهادة الشاهد عليه زور وحكم الحاكم عليه المستند إلى الشهادة أو إقراره باطل، لأنه حكم مبني على شهادة زائرة أو إقرار مستحيل عليه معلوم وقوعه من غيره، وأن الزاني والقاتل وغاصب المتاع إذا حلف ما فعل وقد شوهد ذلك منه وتيقن أنه فعله تكون يمينه بارة، أو حلف أنه فعل ما شوهد وقوعه منه أن تكون يمينه فاجرة، ومثل هذا تعكيس ورد وإبطال للشرائع وقلب لحقائق الأشياء وسفسطة، ورفع لقضايا العقول، ونقض لما جاءت به الرسل من الشرع المنقول.
Bogga 393