Ibraahim Abu Anbiyaa
إبراهيم أبو الأنبياء
Noocyada
فمن المسلم أن الإحراق عقوبة مقررة في شريعة بابل، وأن النار لم تكن مجهولة في بلد من بلاد الأنبياء الآخرين، ولكنهم لم يتعرضوا للإحراق في غير أرض بابل، ولم يرد خبر قط عن نبي غير إبراهيم توعده قومه بإحراقه، ومنهم من نشأ في بلاد تحرق القرابين الحية في المحاريب، فليست أخبار الأنبياء إذن مما يرسل جزافا، أو مما تنقطع فيه المناسبة بين النبي والبلد الذي يبعث إليه.
وسيأتي الكلام عن معجزات إبراهيم في موضعه، ولكن موضع الالتفات هنا لمن يصطنع الدراسة العلمية أن يلاحظ شواهد هذا الانفراد بعقوبة الإحراق في قصة إبراهيم دون قصص الأنبياء.
والعبرة من هذه الملاحظة وأمثالها أن الناقد العلمي مسئول أن يتقصى من الأخبار الأولى مقدار ما فيها من الثبوت، وليست مهمته كلها أن يأباها جميعا لأنه وجد فيها شيئا يأباه.
الفصل الثامن عشر
الجنوب
انفردت المصادر الإسلامية بأخبار إبراهيم في الحجاز، وعلق بعض المؤرخين الغربيين على هذه الأخبار بشيء كثير من الدهشة والاستنكار، كأن المصادر الإسلامية قد نسبت إلى إبراهيم خارقة من خوارق الفلك، وأسندت إليه واقعة بينة البطلان بذاتها وغير قابلة للوقوع ... ووضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين وإنكار دين، ولا يفتحون عقولهم للحقيقة حيث تكون، فضلا عن الاجتهاد في طلب الحقيقة قبل أن يوجههم إليه المخالفون والمختلفون.
أما الواقع الغريب حقا فهو طواف إبراهيم بين أنحاء العالم المعمور ووقوفه دون الجنوب لغير سبب، بل مع تجدد الأسباب التي تدعوه إلى الجنوب ولو من قبيل التجربة والاستطلاع.
ولم يكن لإبراهيم وطن عند بيت المقدس، سواء نظرنا إلى وطن السكن، أو وطن الدعوة، أو وطن المرعى، فالمتواتر من روايات التوراة أنه لم يجد عند بيت المقدس مدفنا لزوجه، فاشتراه من بعض الحيثيين.
أما الدعوة الدينية فقد كانت الرئاسة فيها لأحبار إيل عليون، وكان إبراهيم يقدم العشر أحيانا إلى أولئك الأحبار.
ومن كان معه أتباع يخرجون في طلب المرعى، فلا بد لهم من مكان يسيمون
Bog aan la aqoon