Fatawa Hadithiyya
الفتاوى الحديثية
Daabacaha
دار الفكر
الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَأما مَعَ التباين بَين الثَّلَاث الَّذِي ذكرتَه أنْتَ فَكيف يحسن ببليغ، بل بأبلغ البلغاء عدَّ ثَلَاثَة أَشْيَاء متباينة شَيْئا وَاحِدًا فَحمل كَلَام الشَّارِع على ذَلِك بعيد جدا، فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وتوجيهه بِأَن الثَّلَاثَة مسوقة لغَرَض وَاحِد فساغ جعلهَا شَيْئا وَاحِدًا يُردّ بِأَن ذَلِك الْغَرَض إِن كَانَ هُوَ إِحْسَان الذّبْح فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ أَو غَيره فَهِيَ أغراض كَثِيرَة فَلَا يحسن عدهَا شَيْئا وَاحِدًا. وقولك: هُوَ الْمَقْصُود من إِحْسَان الذّبْح وإحسان الْقَتْل نَحن نقُول بِهِ. وقولك: وَلَا يُنَافِي إِلَخ. جَوَابه: إِن أردْت مِمَّا يتَحَقَّق بِهِ أَنه مَعَ ذَلِك مباين للإحسان فينافي البلاغة إغفاله عَن العدِّ أَو غير مباين لم ينافها، وَكَانَ حجَّة لما قُلْنَاهُ. وقولك: على أَنه عبَّر ب (ثمَّ) قد ذكرنَا جَوَابه، وَسَيَأْتِي مَا لَهُ بِهِ تعلق. وقولك: ثمَّ إِن قَوْله إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا زِيَادَة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ للمقصود مِنْهُ، وَهُوَ ذكر تينك الثِّنْتَيْنِ وَمَا قبلهمَا إِنَّمَا ذكر تَوْطِئَة وتمهيدًا لَهما لِلْأَمْرِ بهما، وَله موقع نَافِع عِنْد الْمُخَاطب، فَلَمَّا كَانَ ذكره للتمهيد والتأكيد لم يحسن عَدُّه. وَقَوله: إكْتِفَاءً بِقَرِينَة السِّيَاق إِلَخ. جَوَابه: أَي قرينةُ سياقٍ ومقام مَعَ تَقْدِير الْعَطف على فَإِذا إِلَخ لِأَنَّهُ حينئذٍ يكون من عطف المتباينات، وَإِذا كَانَ مِنْهَا أفهم الْأَمر بالتحديد والإراحة لَا بِقَيْد إِرَادَة الذّبْح بِحَسب مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ، وادعاء فهم ذَلِك الْقَيْد من دَلِيل خارجي فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف والتمحل، لِأَنَّهُ إِخْرَاج للفظ الحَدِيث عَن ظَاهره الَّذِي لَا إِيهَام فِيهِ، وتأويله بِمَا يَقْتَضِي الْإِيهَام حَتَّى يُجَاب عَنهُ لِأَن ذَلِك عُلِم من دَلِيل آخر، وَهَذَا لَيْسَ من شَأْن الْمُتَكَلِّمين على الْأَدِلَّة، وَإِنَّمَا دأْبهم وشأنهُم حَمْلُ اللَّفْظ على ظَاهره المتبادرَ مِنْهُ سِيمَا إنْ لزم على حمله على غَيره مُخَالفَة أَو خَفَاء أَو نَحْوهمَا. وقولك: وَكم أوَامِر مُطلقَة إِلَخ هُوَ مُسَّلم لَكِن لَا على عين هَذَا التَّجَوُّز الَّذِي سلكتَه أنْتَ فِي هَذَا الحَدِيث من أنَّ شَيْئا وَاحِدًا يدل عَلَيْهِ ظَاهره، ويفيده التَّقْيِيد بِمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ فَيحمل الظَّاهِر على غير مَعْنَاهُ الْمُتَبَادر مِنْهُ، ثمَّ إِذا أورد عَلَيْهِ أَنه الْآن صَار مُوهِمًا يُقال لَهُ: يُدفع ذَلِك الْإِيهَام بِدَلِيل آخر. وقولك: وَلَا يُقَال يلْزم إِلَخ. جَوَابه: أَن هَذَا لَيْسَ نَظِير مَا نَحن فِيهِ فإنَّ القَيْدُ لم يشهدْ بِهِ الْعقل، فَلَا يضرُّ حذفه، وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وقيودَها لَا تُعْرف إِلَّا مِنْهُ ﷺ، فَإِذا جَاءَ عَنهُ مَا يفهمها بقيودها لَا يَسوغُ لنا أَن نَصْرفه عَن ظَاهره إِلَى مَا يحوجنا إِلَى حذف الْقَيْد وَالِاسْتِدْلَال لَهُ بِدَلِيل خارجي. إِذا تقرر ذَلِك فَلَا إِشْكَال فِي قَوْلنَا أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم عَلَيْهِ الْأَمر بالإراحة إِلَخ. وقولك: وَلم يَتَّضِح إِلَخ. جَوَابه: إنْ تَأمل مَا قبله فِيهِ غَايَة الْإِيضَاح لَهُ، إذْ مفادُهُ الْفرق بَين الِاثْنَيْنِ والْحَدِيث بِأَن تَقْرِير الِاسْتِئْنَاف فيهمَا لَا يلْزم عَلَيْهِ مَحْذُور وَلَا إِيهَام البَّتة، وَتَقْرِيره فِي الحَدِيث يلْزمه الْإِيهَام السَّابِق فَافْتَرقَا، وَلم يَحْسن تَخْرِيج هَذَا عَلَيْهِمَا، فَالْمُرَاد بقولنَا لَيْسَ شرطا فِي مفادهما أَنه لَو قطع النّظر عَمَّا قبلهمَا لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد وَلَا إِيهَام فِي مدلولهما، خلاف مَا نَحن فِيهِ فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر عَمَّا قبله من خُصُوص إِحْسَان الذّبْح ترَتّب عَلَيْهِ ذَلِك الْإِيهَام، وحينئذٍ انْدفع مَا ذَكَرْتُهُ أَولا وَثَانِيا وثالثًا. وقولك: لَازم لدعوى الْعُمُوم وَالْخُصُوص إِلَخ. جَوَابه: أَنه لَا يلْزم ذَلِك، لأنَّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ الْعُمُوم من أَحْسنُوا الذّبْح وَالْخُصُوص فِي (وليحد وليرح) فهما خاصَّان بعد عَام فَأَي أعمية فِي الإراحة لَازِمَة لذَلِك، وَمَا قَدمته مِنْ أعميِّتها إِنَّمَا هُوَ إِلْزَام بِمُقْتَضى تفسيرك أنتَ كَمَا مر بَسطه. وقولك: وَالْحكم بِصِحَّة الشَّيْء إِلَخ. جَوَابه: أَن استدلالنا بالرواية الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ لتأييد أَن مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ اللَّائِق بالْكلَام على الْأَحَادِيث ومؤيد للإعراض عَمَّا لَا حَاجَة إِلَيْهِ من التجويزات فِيهَا. وقولك: على أَن النُّحَاة إِلَخ. جَوَابه: أَن الظَّاهِر من حَالهم بِحَسب اعتقادنا أَنهم لَو عُرض عَلَيْهِم ذَلِك وأجروه على الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة لقبلوه، لِأَنَّهُ مُفاد اللَّفْظ ومدلوله الَّذِي لَا غُبَار عَلَيْهِ، وفقنا الله لمرضاته وأجزل علينا أَجْمَعِينَ سوابغ هباته، وحمانا من كل فِتْنة ومحنة، وحَبانا بِكُل خير ومِنَّة، وَختم لنا بِالْحُسْنَى أَجْمَعِينَ، وَالله ﷾ أعلم. ٦١ وَسُئِلَ ﵁: عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [مَرْيَم: ٤٠] هَل هَذَا الرزق هُوَ الَّذِي تُقَام بِهِ البنية أَو الَّذِي قسم فِي الْأَزَل سَوَاء كَانَ أَكثر مِمَّا تقوم بِهِ البنية أَو أقل أَو هُوَ الَّذِي يملكهُ الْإِنْسَان؟ فَأجَاب رَحمَه الله تَعَالَى: أَن الرزق فِي اللُّغَة الْحَظ والنصيب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٢] أَي وتجعلون حظكم ونصيبكم من سَماع الْقُرْآن تكذيبكم بِهِ وبمن أنزل عَلَيْهِ. وَأما فِي عرف الشَّرْع فَهُوَ أخص من ذَلِك، إذْ هُوَ مَا تخصَّص الْحَيَوَان بِهِ وَتمكن من الِانْتِفَاع بِهِ، وَقد يُطلق على مَا يعم النِعمَ الظَّاهِرَة والباطنة، وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة
1 / 76