Ilmooyinka Bilyatsho
دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تنشر لأول مرة
Noocyada
يا إلهي، ما الذي يوقفه هذه الوقفة في أكبر ميدان؟ ما الذي انتهى به إلى هذه النهاية؟ هل طردته الجريدة التي كان يعمل فيها؟ هل أفلس من الشعر؟ هل مات كل أهله فوقف في طريق الحياة كبقية شجرة قطعت من جذورها؟ هل أصابه العمى من كثرة القراءة والكتابة أو من كثرة البكاء أو من كثرة النظر اليائس الأخرس الحزين؟ ما الذي أدى به إلى هذا المصير؟ ما الذي جعله يمد يده المتشنجة لكل عابر سبيل؟ ألا يكسب الشعراء من شعرهم؟ ألم يكن شوقي كما يقال أمير الشعراء؟ ألم يكن شاعر البلاط الذي ينعم بخيرات الخديوي وذهبه وألقابه؟
إنها لا تذكر بيتا واحدا من الشعر، ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لكن لا بد أن صاحبه لم يكن شحاذا ولم يضطر إلى الوقوف في ميدان، تحت شمس محرقة، وسط زحام خانق بين آلاف العيون التي تنظر فترحم أو تمر بغير اكتراث. هل دخل المسكين السجن فعذب كما سمعت من الناس أو علق جسده من قدميه كما تعلق الذبائح عند الجزارين، أو سلطت عليه الكلاب المتوحشة أو أغرق بالماء إلى رقبته في زنزانته؟ هل كان من الشيوعيين والسياسيين أم ماذا جرى له؟
كان الأستاذ سعيد لا يزال مستغرقا في نقاش مع سائق التاكسي، وأصغت قليلا فوجدتهما يتحدثان عن مشكلات التنظيم والمدينة التي ضاقت وضجت بعرباتها وسكانها، وحاولت أن تتذكر قانون مالتس، وخطرت لها كلمة المتوالية الهندسية والمتوالية الحسابية، ولكنها لم تفلح في العثور على صيغة القانون، وهتف السائق: لا بد من تعمين الحبوب وجعلها بالمجان، فقال زوجها: ولو؟ الأرانب هي الأرانب وحياتك. وضحكا ضحكة فاضحة جعلتها تدير وجهها إلى الناحية الأخرى.
وقف التاكسي أمام باب العمارة، نزل زوجها أولا ومد إليها يده ليسندها، كم هي رخصة هذه اليد وسمينة وبيضاء ومريحة، عشرة أعوام وهي تمسك بيدها وتربت على كتفها وتمنحها الثقة والعطف والحنان، لكن العيون الخرساء الجائعة تقف أمامها الآن، عيون ضيقة تلمع ببريق التعاسة والقلق واليأس والذل والعذاب، أأكون مذنبة أيتها العيون؟ أكان في وسعي أن أفعل شيئا ولم أفعله؟
لماذا لم يقل كلمة واحدة؟ لماذا لم ينطق بحرف؟ لم يصدر إشارة؟
كنت بالطبع سأزجره وألزمه حده، لكن ربما كان هذا على الأقل مصدر عزاء لي الآن، ومن يدري؟ فربما كنت أجبته بكلمة، تصدقت عليه بنظرة، شجعته بابتسامة، مستحيل أن أتصور أنني كنت سأزيد عن ذلك، مستحيل أن يكون قد خطر لي أن أكلمه مرة أو أمشي معه خطوة واحدة، وماذا كانت تقول الناس والجيران والعائلة، والعرسان الذين يحومون حولي؟ ها هو سعيد يفيض علي حبه وعطفه منذ سنين، لقد هيأ لي البيت السعيد، ووهبني الأولاد السعداء، كأنما يقسم أن يجعل كل يوم من أيام حياتي نظيرا لاسمه، عندي كل وسائل الراحة والهناء والحياة المستقرة المريحة، وماذا تطلب الزوجة أكثر من المرتب المضمون، والثلاجة والبوتاجاز والغسالة والسخان والتليفزيون؟ وهل تسمح لنفسها بعد هؤلاء ألا توفر له البيت السعيد وتملأه بالأطفال السعداء؟ ما كل ما يتمنى المرء يدركه، ليتني أعرف فقط إن كان هذا الكلام لشوقي أو حافظ.
سألها زوجها وهما يدخلان من باب الشقة ويسمعان صياح الأولاد الثلاثة، هدى وهابي وهناء، فيم تفكرين يا حبيبتي؟
قالت شاردة: في بيت من الشعر.
هتف وهو يحتضن هناء: اسألي ماما عنه يا هناء.
قالت ألطاف وهي تغتصب ضحكة: نسيته يا سعيد.
Bog aan la aqoon