Cubudiyya

العبودية

Tifaftire

محمد زهير الشاويش

Daabacaha

المكتب الإسلامي

Daabacaad

الطبعة السابعة المجددة ١٤٢٦هـ

Sanadka Daabacaadda

٢٠٠٥م

Goobta Daabacaadda

بيروت

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ.
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله.
أما بعد: فقد سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام وَعلم الْأَعْلَام نَاصِر السّنة وقامع الْبِدْعَة أَحْمد بن عبد الْحَلِيم ابْن تَيْمِية ﵀ عَن قَوْله ﷿ [٢١ الْبَقَرَة]: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ فَمَا الْعِبَادَة؟ وَمَا فروعها؟ وَهل مَجْمُوع الدَّين دَاخل فِيهَا أم لَا؟ وَمَا حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة؟ وَهل هِيَ أَعلَى المقامات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أم فَوْقهَا شَيْء من المقامات؟ وليبسط لنا القَوْل فِي ذَلِك.

1 / 43

فَأجَاب ﵀:
الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة.
وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله.
وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى [٥٦ الذاريات]: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ .
وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ [٥٩ الْأَعْرَاف]: ﴿اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ .
وَكَذَلِكَ قَالَ هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم لقومهم وَقَالَ تَعَالَى [٣٦ النَّحْل]: ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا

1 / 44

الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٢٥ الْأَنْبِيَاء]: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٩٢ الْأَنْبِيَاء]: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى [٥١-٥٢ الْمُؤْمِنُونَ]: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم * وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ .
وَجعل ذَلِك لَازِما لرَسُوله إِلَى الْمَوْت كَمَا قَالَ [٩٩ الْحجر]: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ .
وَبِذَلِك وصف مَلَائكَته وأنبياءه فَقَالَ تَعَالَى [١٩-٢٠ الْأَنْبِيَاء]: ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون * يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ وَقَالَ تعال [٢٠٦ الْأَعْرَاف]: ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾ .
وذم المستكبرين عَنْهَا بقوله [٦٠ غَافِر]: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ .
ونعت صفوة خلقه بالعبودية لَهُ فَقَالَ تَعَالَى [٦ الْإِنْسَان]: ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ وَقَالَ [٦٣-٧٧ الْفرْقَان]: ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين

1 / 45

يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ الْآيَات.
وَلما قَالَ الشَّيْطَان [٣٩-٤٠ الْحجر]: ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ قَالَ الله تَعَالَى [٤٢ الْحجر]: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ .
وَقَالَ فِي وصف الْمَلَائِكَة بذلك [٢٦-٢٨ الْأَنْبِيَاء]: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون * لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ * يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن

1 / 46

ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٨٨-٩٥ مَرْيَم]: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا * لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا * تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا * أَن دعوا للرحمن ولدا * وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا * إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمَسِيح الَّذِي ادعيت فِيهِ الإلهية والبنوة [٥٩ الزخرف]: ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل﴾ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح " لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله ".
وَقد نَعته الله بالعبودية فِي أكمل أَحْوَاله فَقَالَ فِي الْإِسْرَاء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وَقَالَ فِي الإيحاء [١٠ النَّجْم] ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ وَقَالَ فِي الدعْوَة [١٩ الْجِنّ] ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وَقَالَ فِي التحدي [٢٣ الْبَقَرَة] ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فاتوا بِسُورَة من مثله﴾ .
فالدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة وَقد ثَبت فِي " الصَّحِيح " أَن جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي

1 / 47

وَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام قَالَ: " الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا " قَالَ: فَمَا الْإِيمَان؟ قَالَ: " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره " قَالَ: فَمَا الْإِحْسَان؟ قَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: " هَذَا جِبْرِيل جَاءَكُم يعلمكم دينكُمْ " فَجعل هَذَا كُله من الدَّين.
وَالدّين يتَضَمَّن معنى الخضوع والذل يُقَال دنته فدان أى أذللته فذل وَيُقَال يدين الله ويدين لله أَي يعبد الله ويطيعه ويخضع لَهُ فدين الله عِبَادَته وطاعته والخضوع لَهُ.
وَالْعِبَادَة أصل مَعْنَاهَا الذل أَيْضا يُقَال طَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا قد وطئته الْأَقْدَام.
لَكِن الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا تَتَضَمَّن معنى الذل وَمعنى الْحبّ فهى تَتَضَمَّن غَايَة الذل لله بغاية الْمحبَّة لَهُ.
فَإِن آخر مَرَاتِب الْحبّ هُوَ التتيم وأوله العلاقة لتَعلق الْقلب بالمحبوب ثمَّ الصبابة لانصباب الْقلب إِلَيْهِ ثمَّ الغرام وَهُوَ الْحبّ الملازم للقلب ثمَّ الْعِشْق وَآخِرهَا التتيم يُقَال تيم الله أَي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه.
وَمن خضع لإِنْسَان مَعَ بغضه لَهُ لَا يكون عابدا لَهُ وَلَو أحب شَيْئا وَلم يخضع لَهُ لم يكن عابدا لَهُ كَمَا قد يحب الرجل وَلَده

1 / 48

وَصديقه وَلِهَذَا لَا يَكْفِي أَحدهمَا فِي عبَادَة الله تَعَالَى بل يجب أَن يكون الله أحب إِلَى العَبْد من كل شَيْء وَأَن يكون الله عِنْده أعظم من كل شَيْء بل لَا يسْتَحق الْمحبَّة والخضوع التَّام إِلَّا الله. وكل مَا أحب لغير الله فمحبته فَاسِدَة وَمَا عظم بِغَيْر أَمر الله فتعظيمه بَاطِل. قَالَ الله تَعَالَى [٢٤ التَّوْبَة]: ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ .
فجنس الْمحبَّة يكون لله وَلِرَسُولِهِ كالطاعة فَإِن الطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ والإرضاء لله وَلِرَسُولِهِ ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ [٦٢ التَّوْبَة] والإيتاء لله وَلِرَسُولِهِ ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله﴾ [٥٩ التَّوْبَة] .
وَأما الْعِبَادَة وَمَا يُنَاسِبهَا من التَّوَكُّل وَالْخَوْف وَنَحْو ذَلِك فَلَا تكون إِلَّا لله وَحده كَمَا قَالَ تَعَالَى [٦٤ آل عمرَان]: ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى [٥٩ التَّوْبَة]: ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ فالإيتاء لله وَلِلرَّسُولِ كَقَوْلِه [٧ الْحَشْر]: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَأما

1 / 49

الْحسب وَهُوَ الْكَافِي فَهُوَ الله وَحده كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٧٣ آل عمرَان]: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٦٤ الْأَنْفَال]: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي حَسبك وَحسب من اتبعك من الْمُؤمنِينَ الله وَمن ظن أَن الْمَعْنى حَسبك الله والمؤمنون مَعَه فقد غلط غَلطا فَاحِشا كَمَا قد بسطناه فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع وَقَالَ تَعَالَى [٣٦ الزمر]: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ .
وتحرير ذَلِك أَن العَبْد يُرَاد بِهِ المعبّد الَّذِي عبّده الله فذلّله ودبّره وصرّفه.
وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فالمخلوقون كلهم عباد الله الْأَبْرَار مِنْهُم والفجار والمؤمنون وَالْكفَّار وَأهل الْجنَّة وَأهل النَّار إِذْ هُوَ

1 / 50

رَبهم كلهم ومليكهم لَا يخرجُون عَن مَشِيئَته وَقدرته وكلماته التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِن لم يشاءوا. وَمَا شَاءُوا إِن لم يشأه لم يكن كَمَا قَالَ تَعَالَى [٨٣ آل عمرَان]: ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ . فَهُوَ سُبْحَانَهُ رب الْعَالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قُلُوبهم ومصرف أُمُورهم لَا رب لَهُم غَيره وَلَا مَالك لَهُم سواهُ وَلَا خَالق لَهُم إِلَّا هُوَ سَوَاء اعْتَرَفُوا بذلك أَو أنكروه وَسَوَاء علمُوا ذَلِك أَو جهلوه؛ لَكِن أهل الْإِيمَان مِنْهُم عرفُوا ذَلِك وآمنوا بِهِ؛ بِخِلَاف من كَانَ جَاهِلا بذلك؛ أَو جاحدا لَهُ مستكبرا على ربه لَا يقر وَلَا يخضع لَهُ؛ مَعَ علمه بِأَن الله ربه وخالقه. فالمعرفة بِالْحَقِّ إِذا كَانَت مَعَ الاستكبار عَن قبُوله والجحد لَهُ كَانَ عذَابا على صَاحبه كَمَا قَالَ تَعَالَى [١٤ النَّمْل]: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى [١٤٦ الْبَقَرَة]: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٣٣ الْأَنْعَام]: ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ .

1 / 51

فَإِذا عرف العَبْد أَن الله ربه وخالقه وَأَنه مفتقر إِلَيْهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ عرف الْعُبُودِيَّة الْمُتَعَلّقَة بربوبية الله وَهَذَا العَبْد يسْأَل ربه ويتضرع إِلَيْهِ ويتوكل عَلَيْهِ لَكِن قد يُطِيع أمره وَقد يعصيه وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد الشَّيْطَان والأصنام وَمثل هَذِه الْعُبُودِيَّة لَا تفرق بَين أهل الْجنَّة وَأهل النَّار وَلَا يصير بهَا الرجل مُؤمنا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى [١٦٠ يُوسُف]: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يقرونَ أَن الله خالقهم ورازقهم وهم يعْبدُونَ غَيره قَالَ تَعَالَى [٢٥ لُقْمَان]: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى [٨٤-٨٩ الْمُؤْمِنُونَ] ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِن كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ .
وَكثير مِمَّن يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها لَا يشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة وَهِي الْحَقِيقَة الكونية الَّتِي يشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار قَالَ إِبْلِيس [٣٦ الْحجر، ٩٧ ص]:
﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ و[٣٩ الْحجر]: ﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ [٨٢ ص]: ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ [٦٢ الْإِسْرَاء]: ﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِن أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا﴾ وأمثال هَذَا

1 / 52

Cubudiyya | Usul