فهكذا عقل الإنسان، يعوزه التعليم حتى يرتقي إلى سماء فضيلته، ويعلو عن أرض رذيلته، ويرقى إلى سماء الحكمتين، الجسمية والعقلية.
هذا ما قاله في مواضع من مقدمة ذلك الكتاب، وقد ارتأى فيها أن الأمم أصبح عليها أن تجد، وعلى سائر الأفراد أن يجتهدوا، حتى تبدوا كوامن العقول البشرية، والأخلاق والفضائل، ولكن لم يبين كيف السبيل إلى هذه المناهج الشريفة التي بها يسعد الإنسان.
إنا سنشرحها لك شرحا جميلا، إن مسألة الحكومات والتعليم متضامنتان لا تحل إحداهما إلا مع الأخرى، فنشرح لك سياسة الأمم أولا، ثم نتبعها بالتعليم، لتعلم أنهما أختان وصنوان وفرقدان لا يفترقان، وأن إحداهما كالعين المبصرة، والأخرى كالأذن السامعة، فإنهما يجريان في حياة الأمم مجرى الطعام والشراب، فنقول:
يقول «كنت»: إنكم لا تنالون سعادتكم، ولا تستخرجون كنوز علومكم إلا إذا صدر علمكم من عالم أعلى، فالله هو المعلم، وقد وضع لكم كتابا واضحا ظاهرا بينا، وهو هذا العالم الذي به يؤمن أهل الأرض قاطبة، وهو الرق المنشور، فاعقلوه وافهموه لعلكم تهتدون. أحجم علماؤكم وتأخر حكماؤكم الأقدمون والمحدثون عن الجد في ارتقاء الأمم، وحل مشكلة نظام الحكومات والتعليم، لسد الشهوات والمطامع بين عقول الأمم والعدل في القضية.
فأما العلوم التي لا تكلفهم هدى النفس، وإنما تتعلق بما لا يملأ البطن ويسد العوز كالكواكب والأفلاك فإن الأمم تتلقاها وتستقبلها قبولا حسنا، وتفرح بها، كمثل مسألة أبعاد الكواكب ونظامها عند العرب، فقد طبقها أولئك العلماء على فن الموسيقى، وقدروا أبعاد الأرض والهواء والقمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وكما فعل العالم «بود» إذ اكتشف قانونا سموه قانون «بود» في سنة 1801 وأتمه «بيزي» إذ أبان أن بعد كل سيار مضاعف لما قبله كالأرض والزهرة والمريخ إلخ، كما هو واضح في كتاب اللورد فبري الإنجليزي في جمال الطبيعة، تقبل العلماء ذلك قبولا حسنا، وفرحوا واستبشروا بما شرح العلماء من العرب والإفرنج.
أما اكتشاف حل للتربية والعدل في الأمم فأنتم عنه محجوبون، وما صدكم إلا الشهوات الحاجبة عن السعادة، فها أنا الآن أضع لكم نظام الحكومات مقتبسا من نظام السماوات لتبلغه لإخوانك أبناء الإنسان.
انظروا إلى العالم الذي حولكم من الكواكب والحيوان وجسم الإنسان، ثم اجعلوا مدنيتكم وتعليمكم على ما تستخرجون وما تستنتجون، وادرسوا فطرتكم الروحية تجدوها مطابقة لها وموافقة لنظامها. قلت: أوضح لي هذا المقام. قال: انظر. فنظرت، إذا نجمة «أركتروس» وهي أكبر من الشمس عشرين مرة، ولا يصل نورها الأرض إلا في مائتي سنة، والضوء يجري في الدقيقة نحو عشرة ملايين من الأميال تقريبا. قلت قد رأيتها. فقال: هذه النجمة أكبر من شمسكم عشرين مرة، وشمسكم أكبر من أرضكم مليونا وثلث مليون، فتكون أكبر من أرضكم سبعا وعشرين مليون مرة. قلت: نعم. قال: انظر كيف ساع النظام السماوي أرضكم مع هذا الكوكب؛ أرضكم صغيرة، بل ذرة، ما أنتم شيء مذكور على ظهرها، ومع ذلك ساد النظام، والتأمت المدارات، وقام كل كوكب فدار في فلكه لا يتعداه، فشمسكم الصغيرة وأنجمها وسياراتها وتوابعها كل له مقام معلوم، لا ظلم اليوم، إن الحساب لسريع، إن النظام لدقيق، ولو أن الأعظم يطغى على الأصغر لهلكت أرضكم، ولقامت قيامتكم ولكن النظام جميل.
قلت: أوضح المقام؛ فإن البون ما بين السياسة والكواكب شاسع والشقة بعيدة. فقال: إن لكل كوكب مدارا ونظاما، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يحطمه، وسيرها بنظام وميقات معلوم.
ذلك نظام الله الذي أتقن تلك المدارات وحسبها، فلم يطغ كوكب على كوكب، ولم يحطم الكبير الصغير، ولو أن الأمر كان فوضى لاجتذب الأكبر الأصغر ولأصبحت أرضكم قارة من قارات نجمة «أركتروس» ولكانت أرضكم حجرا من حجارتها وأنتم جميعا لون ذلك الحجر.
إن العناية العالية أرسلت المحبة على الكواكب فجرت ودارت دوران العشق والغرام، والحب ألقى عليها دروس الوله والهيام، فدار بعضها على بعض ولم يبغ أكبرها على أصغرها.
Bog aan la aqoon