330

Articles from Dorar.net

مقالات موقع الدرر السنية

Daabacaha

موقع الدرر السنية dorar.net

= أمَّا استشهاده بأقوالٍ لأئمة السلف كمالك وأحمد والبخاري فقد قال - عفا الله عنه - (ص٢٥): «ومشروعية التبرك بالأماكن النبوية هو مذهب البخاري كما ذكرنا - يعني تبويبه في كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طريق المدينة وسبق الرد عليه - ومذهب البغوي، والنووي، وابن حجر، بل هو مذهب الإمام أحمد «وقد استدل الإمام على ذلك بأن الصحابة كانوا يتبركون برمانة المنبر، يتبركون بالموضع الذي مسته يد النبي ﷺ، وهو مذهب مالك، فقد روى أبو نعيم في الحلية أن هارون الرشيد أراد أن ينقض منبر النبي ﷺ ويتخذه من جوهر وذهب وفضة فقال له مالك: لا أرى أن تُحرم الناس من أثر النبي ﷺ، وسبق كلامه في استحباب صلاة النافلة في مكان مصلاه ﷺ من مسجده» أ. هـ. يعني بذلك ما ذكره (ص٢٠) أن مالكًا سئل أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مصلاه، وأما المكتوبة فأول الصفوف.
والذي يهمنا هنا هو النقل عن الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والبخاري، وبغض النظر عن صحة أسانيد هذه الأقوال فأين هي مما يدعو إليه المؤلف من المحافظة على آثار النبي ﷺ المكانية للتبرك بها؟! فكلام الإمام أحمد عن رمانة منبره ﷺ وكلام الإمام مالك عن نقض المنبر هو عمَّا مسته يد النبي ﷺ لا عن آثاره المكانية، فأين هو المنبر اليوم وأين رمانته؟!
أمَّا ما نقله عن الإمام مالك وأنه يرى أفضلية صلاة النافلة في موضع مصلاه فهذا على سبيل الاقتداء لا التبرك، وقد قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص١٠٨): «وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ماعدا قباءً وأحدًا -يعني شهداء أحد» وقال ابن بطال في شرح البخاري (٣/ ١٥٩) «روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ، فقال: ما يعجبني ذلك إلا مسجد قباء»، أما الإمام أحمد فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٥٤): «وأما أحمد فرخَّص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدًا، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم» يعني حتى ما جاء فيه الأثر كمسجد قباء يشدد فيه أحمد إذا اتخذ عيدًا، فماذا بعد ذلك؟!
ومن عجائب الشيخ في هذا الكتاب أنه يدعو إلى التبرك الآن بشرب ماء الآبار التي سقط فيها خاتم النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا، قال - عفا الله عنه - (ص١٣): «ومنه - أي التبرك - قصدُ الآبار النبوية التي نُقل أنَّ النبي ﷺ تفل فيها أو صبَّ وضوءه فيها، أو سقط شيء من متعلقاته فيها، كبئر أرِيس التي سقط فيها خاتمه بقصد التبرك بالشرب منها، فهذا أمر مشروع لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي ﷺ، لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه ﷺ الذي كان الصحابة يتسابقون إلى التبرك به» أ. هـ، وهذا لا أعرف أحدًا سبق الشيخ إليه، وقوله: «لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه»، غير صحيح فالصحابة ﵃ فَرَّقوا بينهما فكانوا يتبركون بوضوئه ولم يُنقل عنهم أنهم كانوا يشربون من ماء بئر أرِيس تبركًا بعد سقوط خاتم النبي ﷺ فيه من يد عثمان ﵁ كما في الصحيحين.
والخلاصة:
أنَّ التبركَ بآثار النبي ﷺ الحسيَّة كبطنه وشعره ونخامته وكذا ما لامس جسده الطاهر الشريف كوضوئه وملابسه؛ صحيحٌ، قد فعله الصحابة ومِن بعدهم بعض التابعين ثم عفا الفعل كما عفا الأثر، وما قَصَدَه النبي ﷺ للصلاة أو الدعاء عنده من الأماكن كمسجد قباء ومقام إبراهيم فقصده للصلاة أو الدعاء اقتداءً به، سنةٌ مستحبة، أمَّا التبرك بها فبدعةٌ منكرة، وأمَّا ما لم يقصده من الأماكن فالصحيح عدم قصد الصلاة عنده إلا إذا وافق ذلك وقت صلاة، أمَّا وجوب المحافظة على الآثار النبوية المكانية لغرض التبرك عندها فلم يقل به أحدٌ من العلماء لا من السلف ولا من الخلف، وفتحه فتح باب شرٍ وفتنة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين

1 / 329