[9.41-47]
قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } الآية نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين، وقيل: بل استأذنه جماعة من المؤمنين في التخلف ففيهم نزلت الآية، ومعناه خفافا وثقالا يعني شبابا وشيوخا، وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل: ركبانا ومشاة، وقيل: أغنياء وفقراء، وذكر الأصم أن الآية لما نزلت جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أعلي جهاد؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما أنت إلا خفيف أو ثقيل " ، فرجع ولبس سلاحه ووقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " فنزل قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج } { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } بثواب الجهاد { لو كان عرضا قريبا } أي غنيمة حاضرة { وسفرا قاصدا } سهلا قريبا { لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة } أي المسافة والسفر البعيد { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } وكانوا مستطيعين فحلفوا كذبا { عفى الله عنك } ، قيل: عفى عنك عما أقدمت عليه من غير إذن الله تعالى وهو إذنه للمنافقين في القعود عن الغزو، وقيل: شيئان فعلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يؤمر بهما اذنه للمنافقين وأخذه للفدية من الأسارى، فعاقبه الله تعالى على ذلك { حتى يتبين } من صدق في عدته ومن كذب فيه { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا } يعني ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا { انما يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلا { فهم في ريبهم يترددون } عبارة عن التحيز { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وجد بن قيس وغيرهما ممن تخلف عن غزوة تبوك، وقيل: لما تخلفوا أنزل الله تعالى قوله: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ، قوله تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } والعدة هيئة الحرب من السلاح والكراع فتركهم لذلك يدل على عزمهم على التخلف { ولكن كره الله انبعاثهم } أي انطلاقهم وخروجهم إلى الغزو لأن خروجهم كان معصية ونفاقا { وقيل اقعدوا مع القاعدين }: قيل: المرضى، وقيل: الضعفاء والنساء والصبيان { لو خرجوا فيكم ما زادوكم } يعني لو خرج المنافقون معكم أيها المؤمنون ما زادوكم { إلا خبالا } ، قيل: فسادا، وقيل: شرا، وقيل: عذرا ومكروها { ولأوضعوا خلالكم } يعني بالنميمة لافساد نيتكم، وقيل: لسارعوا فيما يحل بكم { يبغونكم الفتنة } بأن توقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم { وفيكم سماعون لهم } أي نمامون يسمعون حديثكم فيلقونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعون، وقيل: فيكم عيون منهم ينقلون أخباركم إلى المشركين { والله عليم بالظالمين } يعني هؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم.
[9.48-57]
{ لقد ابتغوا الفتنة } أي العنت وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف بمن معه، وقوله: { من قبل } يعني من قبل غزوة تبوك، وقيل: يوم الأحزاب، وقيل: طلبوا الأضرار بك حالا بعد حال { وقلبوا لك الأمور } ، قيل: طلبوا لك الحيلة من كل وجه ليبطلوا دينك ولم يقدروا عليه { حتى جاء الحق } ، قيل: النصر والظفر الذي وعد الله به { وظهر أمر الله } ، قيل: دينه وهو الاسلام { وهم كارهون } يعني هؤلاء المنافقون كرهوا ظهور الاسلام { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } الآية نزلت في جد بن قيس، وروي: أنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تفتني بنات الأصفر يعني نساء الروم ولكني أعينك بما لي واتركني { ألا في الفتنة سقطوا } أي الفتنة التي سقطوا فيها هي فتنة التخلف { ان تصبك } في بعض الغزوات { حسنة } ظفر وغنيمة { تسؤهم وإن تصبك مصيبة } قتل وهزيمة ونكاية شديدة نحو ما جرى يوم أحد { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } يعني قد أخذنا حذرنا والعمل بالحزم من قبل ما وقع { ويتولوا } عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له في أهاليهم { وهم فرحون } { قل } يا محمد { لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } من الثواب والحسنة، وقيل: ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ وعلمه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وحق المؤمنين ألا يتوكلون إلا على الله تعالى { قل هل تربصون بنا } أي هل تنتظرون بنا أيها المنافقون { إلا إحدى الحسنيين } إما النصر والغنيمة مع الأجر وإما القتل والشهادة المؤدية إلى الجنة وهو الفوز العظيم وهذا قول ابن عباس { ونحن نتربص بكم } أي ننتظر { أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } ، قيل: بالموت { أو بأيدينا } أي بالقتل { فتربصوا إنا معكم متربصون } أي انتظروا لنا انا منتظرون لكم، يعني لما تقدم ذكره أما القتل وفيه الشهادة، وأما الأجر وفيه الظفر والغنيمة، وقيل: تربصون مواعيد الشيطان وهو إبطال دينه ونحن نتربص مواعيد الله من إظهار دينه والنصر لنا { قل انفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم } نزلت في جد بن قيس، حين استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القعود عن الجهاد، وقال: هذا ما لي أعينك به عن جماعة المفسرين { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } أي متثاقلين يعني لم يؤدوا الصلاة كما أمروا بل أدوها نفاقا وفي بعض الأخبار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كره للمؤمنين أن يقول كسلت ولكن ثقلت كأنه ذهب إلى هذه الآية، قوله تعالى: { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } ، قيل: بالمصائب، وقيل: بالسبي وغنيمة الأموال، وقيل: بالدنيا هذا بالمنافقين والعذاب بها عندما يلقون الملائكة في وقت البشارة بالعذاب، وقيل: بأمرهم بإخراج الحقوق منها فهو تعذيبهم، ثم أظهر تعالى سرا من أسرار القوم فقال: { ويحلفون بالله } يعني المنافقين { إنهم لمنكم } في الايمان والطاعة { وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيظهرون تقية { لو يجدون ملجأ } مكانا يلجأون إليه متحصنين فيه من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة { أو مغارات } ، قيل: غيرانا، وقيل: موضعا يغيبون فيه { أو مدخلا } أو نفقا يندسون فيه، وقيل: موضع دخول يأوون فيه { لولوا إليه وهم يجمحون } يسرعون إسراعا لا يحد همهم شيء.
[9.58-60]
{ ومنهم من يلمزك في الصدقات } أي يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك، وقيل: هم المؤلفة قلوبهم، وقيل:
" هو ابن ذوي الخويصرة وابن الجوارح، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم غنائم حنين، فقال أعدل يا رسول الله، فقال: " ويلك إذا لم أعدل فمن يعدل؟ " فلما ذهب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون يمرقون من الدين كما يمرق السهم، فيهم رجل أسود في إحدى يديه مثل ثدي المرأة، يخرجون على فترة من الناس، فإذا خرجوا فاقتلوهم " ، فنزلت فيه هذه الآية "
، قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشهد أن عليا (عليه السلام) حين قتلهم وأنا معه جيء بذلك الرجل على النعت { فإن أعطوا منها رضوا } يعني إذا أعطوا منها الكثير رضوا { وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } أي يغضبون { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } يعني الزكاة المفروضة للفقراء قيل: الفقير الذي ليس له بلغة من العيش، والمسكين الذي لا شيء له، وهو قول الهادي (عليه السلام) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول أهل اللغة أيضا، وقيل: المسكين من له شيء والفقير من لا شيء له وهو قول الشافعي واحتج بقوله تعالى:
أما السفينة فكانت لمساكين
[الكهف: 79] وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا يعملون عليها، وقيل: المساكين يتفاصلون في المسكنة { والعاملين عليها } وهم السعاة الذين يقبضون واجبات الصدقة، واختلف في قدر ما يعطون قيل: لهم سهم وهو الثمن، وقيل: يعطون على قدر عمالتهم وبه قال أبو حنيفة والهادي (عليه السلام)، وقيل: يعطون على ما يراه الإمام { والمؤلفة قلوبهم } أشراف من العرب كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستألفهم على أن يسلموا فيرضخ لهم شيئا حين كان في الاسلام قلة، ثم اختلفوا في هذا السهم بعده قيل: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم سقط من بعده لأن الله تعالى قد أعز الدين، عن الحسن وعمر وعثمان وهو قول أبو حنيفة، وقال الشافعي: بل هو ثابت في كل زمان وهو مروي عن أبي علي وأبي جعفر، وقال الهادي (عليه السلام): لا يجوز دفعها على الفساق يعني الزكاة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز، وقال الهادي (عليه السلام): أمر الزكوات كلها إلى الإمام ويضمر إذا أخرجها بنفسه إلى الفقراء والله أعلم { وفي الرقاب } وهم المكاتبون فيعطون منها { والغارمين } الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب { وفي سبيل الله } فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم { وابن السبيل } المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير { فريضة من الله } مقدرة واجبة قدرها الله تعالى وحتمها { والله عليم } بحاجة خلقه { حكيم } بما فرض عليهم من ذلك.
Неизвестная страница