539

{ بل هو } أي: القرآن في نفسه { آيات } ودلائل دالة على توحيد الحق { بينات } واضحات الدلالات في أنفسها، ثابتات { في صدور } الموحدين { الذين أوتوا العلم } اللدني المترشح من حضرة العلم الإلهي، المفاض لهم منها محسب استعداداتهم وقابلياتهم تفضلا عليهم وامتنانا لهم { و } بالجملة: { ما يجحد } وينكر { بآياتنآ } مع قواطع برهانه وسواطع تبيانه { إلا } القوم { الظالمون } [العنكبوت: 49] الخارجون عن مقتضى العلم والعين والكشف والشهود.

[29.50-54]

{ و } من غاية بغضهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه { قالوا } مقترحين منه على سبيل التعجيز والإنكار: { لولا } أي: هلا { أنزل عليه آيات من ربه } إن كان صادقا في دعواه كالآيات التي نزلت على الأنبياء الماضين مثل: ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى وسائر معجزاته، وغير ذلك { قل } لهم يا أكمل الرسل كاملا ناشئا عن محض الحكمة، خاليا عن وصمة الشبهة، { إنما الآيات } كلها { عند الله } أنزلها وفي قبضة قدرته، وعلى مقتضى إرادته ومشيئته حتى تعلقت إرادته بإنزال آية منها، أنزلها على من أنزلها إرادة واختيارا { و } ليس في وسعي وطاقتي ولا في وسع كل من مضى قبلي من الأنبياء والرسل إنزال عموم ماطلبتم، وإتيان جميع ما اقترحتم من الآيات وكذا حال الأنبياء الماضين مع أممهم المقترحين عليهم بالآيات، بل { إنمآ أنا نذير } من قبل الحق إياكم { مبين } [العنكبوت: 50] ظاهر الإنذار والتخويف، وكل من الأنبياء والرسل أيضا كانوا كذلك بالنسبة إلى إممهم؛ إذ نحن معاشر الأنبياء والرسل ما لنا إلا التبليغ والإنذار على مقتضى الوحي والإلهام الإلهي بلا تخويف منا وتبديل، وأما التنزيل والإنزال من قبل الحق، والقبول منكم فموض إلى القادر الحكيم.

ثم قال سبحانه على المقترحين وتقريعا لهم: { أولم يكفهم } ولم يغنهم من جميع الآيات التي اقترحوا عنك يا أكمل الرسل { أنآ أنزلنا } من مقام جودنا ولطفنا معك { عليك الكتاب } الجامع لما في الكتب السالفة، المحتوي على أحوال النشأتين على الوجه الأبلغ مع أنه لا يغيب عنهم، بل { يتلى عليهم } ويقرأ عندهم دائما بخلاف سائر الآيات، فإنها كما ظهرت غابت هي وأثرها وهو وأثرها حاضر عندهم غير مغيب عنهم، وبالجملة: { إن في ذلك } الكتاب الذي هو في نفسه آيات عظيمة الفوائد، دائمة العوائد، غير منقطعة آثارها عن من تمسك بها واستهديا { لرحمة } أي: نعمة عامة نازلة من قبل الحق { وذكرى } أي: عظة وتذكيرا شاملا لعموم عباده، ملقاه من عنده سبحانه { لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 51] بتوحيده وأسمائه وصفاته، ويصدقون المبدأ والمعاد والعرض والجزاء والفوز بشرف اللقاء جميع ما وعد لهم في النشأة الأخرى.

ثم لما أتى قوم من ضعفاء المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف رقم فيها بعض أراجيف اليهود وأقوايلهم الكاذبة، متبركين بها، متيمنين بما فيها، فقال صلى الله عليه وسلم مبغضا عليهم: كفى بضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم من قبل ربهم إلى ما جاء به غير نبيهم، وصدقوا ما جاء به غير نبيهم مع أنه كذب مفترى، وكذبوا ما جاء به النبي مع أنه صدق مطابق للواقع، فنزلت حينئذ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { قل } يا أكمل الرسل للمكذبين لك وبما جئت به مصدقين لأعدائك وبما جاءوا به: { كفى بالله بيني وبينكم } أيها المكابرون { شهيدا } حاضرا معي ومعكم مطلقا، على حالي وحالكم وما جرى في ضميري وضمائركم؛ إذ هو سبحانه { يعلم } بعلمه الحضوري جميع { ما } ظهر { في السمو } ما ظهر في { ت والأرض } وكذا ما ظهر بينهما ما بطن فيهما، فيجازي كلا منا ومنكم على مقتضى علمه بنا وبكم.

{ و } كيف لا يجازي القادر المقتدر على انتقام عصاة عباده { الذين آمنوا } وأطاعوا { بالباطل } الذي هو بمراحل عن الحق والصدق { وكفروا بالله } الحق الحقيق بالحقية، المستوي على منهج الصدق والصواب، وأعرضوا عن إطاعته وانقياده عنادا وكابرة، وبالجملة: { أولئك } البعداء المطرودون عن ساحة عز الحضور، والأشقياء المحرومون عن سعة رحمة الملك الغفور { هم الخاسرون } [العنكبوت: 52] المقصورون على الخسران الخذلان، لا يرجى ربحهم وتفريجهم أصلا.

{ و } من غاية غيهم وضلالهم، ونهاية انهماكهم في بحر الغفلة والغرور { يستعجلونك } تهكما استهزاء { بالعذاب } واستهزاء بك الذي أنذرتهم بوحي منا إليك بنزوله إياهم من كمال إنكارهم وتكذيبهم { ولولا أجل مسمى } ووقت معين موعود، مثبت في لوح قضائنا { لجآءهم العذاب } اليوم فجأة عاجلا؛ لاستحقاقهم بنزوله إلا أنه مؤقت موعود على مقتضى سنتنا القديمة المستمرة من ترهين الأمور على الأوقات المعينة المثبتة في لوح القضاء وحضرة العلم.

قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: لا تغتروا بإمهالنا إياكم زمانا { و } الله { ليأتينهم } ولينزلن عليهم العذاب الموعود { بغتة } أي: دفعة وفجأة { وهم لا يشعرون } [العنكبوت: 53] ولا يطلعون بنزوله وأمارات إتيانه.

ومن غاية عمههم وسكرتهم وكمال انهماكهم في أسباب العذاب وموجباته ولوازمه { يستعجلونك بالعذاب } ظنا منهم أن ما هم عليه إنما هو من موجبات الثواب وأسباب النجاة الجنة، بل هي عينهما؛ إذ لا إيمان لهم بالنشأة الأخرى وما فيها، كيف لا يعذبون في النشأة الأخرى ولا يدخلون النار { وإن جهنم } الموعودة فيها لهم { لمحيطة بالكافرين } [العنكبوت: 54] محتوية عليهم الآين في النشأة الأولى باعتبار أسبابها وموجباتها؟!.

[29.55-60]

Неизвестная страница