Тафсир
تفسير الجيلاني
ثم أشار سبحانه إلى توهيم جميع التقليدات والتخمينات الحاصلة من هوية النفوس الخبيثة بالماديات، والعقول المكدرة بكدورات الأوهام والخيالات، فقال على سبيل التمثيل والتشبيه، على مقتضى إدراك العوام؛ توضيحا لهم ليتنبهوا على طريق الحق ويتفطنوا بالتوحيد القويم: { مثل } القوم { الذين اتخذوا من دون الله } المنزه عن الأشباه والأنداد مطلقا { أوليآء } يوالونهم كولاية الله ويعبدونهم مثل عبادته، متوهمين أنهم شركاء معه أو شفعاء لهم عنده سبحانه مع أنهم لا يتأتى منهم الشركة والشفاعة أصلا، إنما مثلهم في هذا الاتخاذ والاعتقاد { كمثل العنكبوت } التي { اتخذت بيتا } من لعابها، ثم تركتها واتخذت آخر مثلها، ثم تركتها، وهكذا حالها دائما مع أن هذه الأبنية البيوتات المتخذة لا تدفع حرا ولا بردا، ولا تصير مانعا له من العدو وحجابا كهؤلاء المقلدين الضالين الذين اتخذوا تقليد بعض الضلال دينا، ثم تركوها بتقليد آخر منهم بلا رسوخ ولا تمكن، وهكذا حالهم دائما مع أن الأديان المتخذة لا تكشف لهم طريق الحق، ولا توصلهم إلى معرفته وتوحيده، ولا تنقذهم من الأوهام والخيالات الباطلة العائقة عن مشرب التوحيد، ولا تخرجهم من سجن الطبيعة وقيود الإمكان وأغلال الأنانيات وسلاسل العينات.
{ و } قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة والتصريح بالتوهين بعدما كنى؛ لينزجروا ويرتدوا على ما هم عليه من الأديان الباطلة: { إن أوهن البيوت } وأضعف الأبنية { لبيت العنكبوت } إذ لا بيت أضعف منه، وأشرف إلى التخريب والانهدام، وأقل وقاية من الحر والبرد ودفع الضر { لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 41] وهنه وعدم نفعه لما اتخذوها، لكنهم لم يعلموا، فاتخذوا جهلا وعنادا، فيسعلمون عاقبة ما اتخذوا ووبال ما عبدوا.
ثم قال سبحانه على وجه الوعيد إياهم، آمرا لحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا أكمل الرسل: { إن الله } المطلع لضمائر عباده وسرائرهم { يعلم } بعلمه الحضوري { ما يدعون } وتعبدون { من دونه من شيء } من الأصنام والأوثان على التفصيل؛ إذ لا يعزب عن حيطة علمه شيء مما ظهر وبطن وخفي وعلم، ولكن يمهلهم ويؤخر أخذهم بها زمانا؛ لحكم ومصالح استأثر الله بها ولم يطلع أحدا عليها { و } كيف لا يأخذهم بما صدر عنهم إنه { هو العزيز } الغالب القادر على الانتقام بالقوى الكاملة والبطش الشديد { الحكيم } [العنكبوت: 42] المقتن في أفعاله بما لا مزيد عليه.
{ و } إن استهزءوا معك يا أكمل الرسل، متهكمين بما في كتابك من التمثيلات بأحقر الأشياء وأضعفها مثل: الذباب والعنكبوت والنمل وغيرها لا تبال بهم وبتهكمكم و استهزائهم؛ إذ { تلك الأمثال } التي { نضربها للناس } المنهمكين في الغفلة والنسيان؛ لنوضح لهم طريق التوحيد والعرفان وسبيل السلامة والإيمان، إنما هو للموفقين منهم المجبولين في استعداد القبول وفطرة الإسلام، لا كل أحد من أهل الغفلة والمترددين في أودية الجهل والخيال وهاوية المراء والجدال { و } لذلك { ما يعقلهآ } ويفهم معناها وما يصل إلى مغزاها { إلا العالمون } [العنكبوت: 43] الواصلون بما فاض عليهم من رشحات بحر العلم الإلهي ينبوع بحر الوحدة الذاتية التي هي منبع جميع الكمالات اللائحة على صحائف الآفاق وصفحات الأكوان، حيث { خلق الله } المتجلي بجميع صور الكمالات وأظهر على مقتضى الأسماء والصفات { السموت } أي: العلويات المتفاوتة، المتخالفة باختلاف الأسماء والصفات، والمنتشئة من الذات الأحدية حسب الشئون والتطورات المترتبة على الكمالات المندمجة فيها { والأرض } أي: طبيعة العدم، القابلة لجميع الانعكاسات المنعكسة من أشعة التجليات الذاتية غيبا وشهادة، ظهورا وبطونا، بروزا وكمونا، جمالا وجلالا؛ يعني: ما خلق وأظهر ما ظهر وبطن إلا ملتبسا { بالحق } المطابق للواقع بلا شائبة شك فيه وارتياب { إن في ذلك } الإيجاد والإظهار على الوجه الأبدع الأبلغ والنظام الأتم الأكمل { لآية للمؤمنين } [العنكبوت: 44] الموحدين الموقنين بوحدة ذاته وكثرة أسمائه وصفاته حسب شئونه وتطورات على مقتضى التجليات المتجددة الغير المتكررة أزلا وأبدا.
{ اتل } يا أكمل الرسل { ما أوحي إليك من الكتاب } الجامع لما في النشأتين، الحاوي لجميع الأمور الجارية في المنزلتين، وتأمل في مرموزاته وإشارته حق التأمل والتدبر واتصف بأوامره واجتنب عن نواهيه، واعتبر عن عبره وأمثاله وذق حلاوة معارفه وحقائقه { وأقم الصلاة } أي: دوام على الميل المقرب إلى الله بجميع جوارحك وأركانك بالانخلاع عن لوازم ناستوك مطلقا { إن الصلاة } على الوجه المذكور { تنهى } وتكف صاحبه { عن الفحشآء } المترتبة عن القوى البهيمية من الشهوية والغضبية { والمنكر } المترتب على البشرية المنغمسة بالعلائق المادية والشواغل الجسمانية { و } بالجملة: { لذكر الله } المنزه في ذاته عن جميع الأكوان، المبرئ أوصافه وأسماءه عن وصمة النقصان وسمة الحدوث والإمكان، والاشتغال بذكره حسب إطلاقه { أكبر } شمولا وأتم توجها وأكمل حصولا ووصولا لو جذبتك العناية من لدن جنابه ووفقك التوفيق منه نحو بابه { و } كن يا أكمل الرسل في نفسك متوجها إلى ربك، متقربا إليه على الوجه الذي أمرت به، ولا تلتفت إلى هذيانات أهل البدع والأهواء الفاسدة؛ إذ { الله } المطلع بجميع حالاتهم { يعلم } منهم { ما تصنعون } [العنكبوت: 45] من الاستخفاف الاستهزاء وعدم المبالاة بمعالم الدين ومراسم التوحيد واليقين، فيجازيهم على مقتضى علمه بهم.
[29.46-49]
{ و } بعدما سمعتم أيها المؤمنون خطاب ربكم مع نبيكم { لا تجادلوا } ولا تخاصموا { أهل الكتاب } أي: الأحبار الذين واظبوا على محافظة كتاب الله المنزل إليهم واستنبطوا منه الأحكام، وامتثلوا بأوامره واجتنبوا نواهيه { إلا بالتي } أي: بالطريق التي { هي أحسن } الطرق، وأبعد عن المكبرة وأقرب إلى الصواب، هينين لينين معهم بلا قلق واضطراب وفضول الكلام ماداموا متصفين معتدلين بلا ميل منهم وانحراف إلى المكابرة والاعتساف { إلا الذين ظلموا منهم } جهلا وعنادا، وخرجوا عن منهج الصواب بغيا وعدوانا { وقولوا } لهم على مقتضى ما أمرتم به في كتابكم: { آمنا } وصدقنا { بالذي } أي: بالكتاب الذي { أنزل إلينا } من ربنا على طريق الوحي لنبينا { و } آمنا أيضا بالكتاب الذي { أنزل إليكم } منه سبحانه وحيا على نبيكم { و } كيف لا نؤمن لكتابكم ونبيكم؛ إذ { إلهنا } الذي أنزل علينا كتابا { وإلهكم } الذي أنزل عليكم أيضا كتابا { واحد } لا تعدد فيه ولا شريك له، ولا مثل له يمثاله ولا كفو له يشابهه { ونحن له مسلمون } [العنكبوت: 46] مؤمنون، منقادون، مطيعون وبجميع ما حكم به سبحانه في كتبه وعلى ألسنة رسله مصدقون ممتثلون إلا ما نسخ في كتابنا.
{ و } كيف لا يقول لهم المؤمنون هكذا ولا يؤمنون بالكتب المنزلة من عندنا { كذلك } وعلى ذلك { أنزلنآ إليك } يا أكمل الرسل { الكتاب } الجامع لما في الكتب السالفة؛ لتكون أنت ومن تبعك مؤمنين مصدقين لجميع الكتب والرسل بلا تفرقة ولا تفاوت { فالذين آتيناهم الكتاب } قبل كتابك { يؤمنون به } أي: بكتابك ويصدقون بك أيضا، كذلك على الوجه الذي وعدناهم في كتبهم من أنا سنرسل رسولا موصوفا بأوصاف ما بيناه لهم في كتبهم، ومعه كتاب جامع مصدق لجميع الكتب السالفة والرسل السابقة، وإن كان مشتملا على النسخ والتبديل لبعض أحكام الكتب السالفة على مقتضى سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة من نسخ بعض الأحكام السابقة باللاحقة.
{ ومن هؤلاء } أي: الأعراب { من يؤمن به } أي: بهذا الكتاب وإن لم يسبق لهم وعد؛ لأنهم ليسوا من أهل الكتاب في وقت من الأوقات، بل إنما آمنوا به، لكونهم من أرباب اللسن والفصاحة، تأملوا في نظام ألفاظه العجيبة واتساق معانيه الدبيعة، وانكشف لهم أ،ه ما هو من جنس كلام البشر، فجزموا بإعجازه وآمنوا به، فصدقوه أنه نازل من عند الله على سبيل الوحي { و } بالجملة: { ما يجحد } وينكر { بآياتنآ } الظاهر الإعجاز، العجيبة الشأن، الباهرة البيان { إلا الكافرون } العنكبوت: 47] الساترون نور الهداية والإيمان بظلمة الكفر والطغيان عنادا ومكابرة.
{ و } كيف لا يكون القرآن وحيا نازلا من عند الله بمقتضى إرادته؛ إذ { ما كنت } يا أكمل الرسل { تتلوا } وتتعلم { من قبله } أي: قبل القرآن ونزوله { من كتاب } من الكتب المنزلة { ولا تخطه } وتنسخه { بيمينك } على سبيل النقل؛ يعني: ما كنت من أهل النسخ والإملاء والكتابة؛ إذ هي مسبوقة بالتعليم وأنت أمي، عار عن الدراسة والكتابة والتعلم مطلقا، ولم يعهد منك أمثال هذه الأمور الدالة على الأخذ والاستنباط، ولو كنت متصفا بها وأهلا لها { إذا لارتاب } شك و تردد { المبطلون } [العنكبوت: 48] المجاهرون بالقول الزور الباطل في شأنك وفي شأن كتابك وكونه معجزا، مع أنه ما هو - أي: القرآن - حينئذ أيضا محل ارتياب ؛ لأنه في نفسه باعتبار نظمه العجيب البديع ومعانيه الغريبة وأسلوبه المحكم معجز خارق للعادة عند من له أدنى دربة في أساليب الكلام، ولا ينبغي لأحد أن يشك في إعجازه إلا من هو متناه في البلادة وسخافة العقل وركاكة الفهم.
Неизвестная страница