تساءل إسماعيل ضاحكا وهو يتناول خرطوم النارجيلة من كمال: ترى متى يجس هذا (مشيرا إلى كمال) النبض؟
هكذا إسماعيل لا يفوت فرصة أبدا لإثارة هذا الموضوع المعاد. ولكن ثمة أمر أخطر من هذا، فجميع الأصدقاء المتزوجين يقولون إن الزواج «زنزانة» فمن المحتمل جدا ألا يرى رياض - إذا تزوج - إلا في القليل النادر، وربما تغير وتبدل فيصبح صديقا بالمراسلة، وهو وديع رقيق، فما أسهل هضمه! ولكن كيف تمضي الحياة بدونه؟ وإذا جعل الزواج منه شخصا جديدا كإسماعيل فسلام على كافة مسرات الحياة! وسأله: ومتى تتزوج؟ - في الشتاء القادم على أبعد الفروض ..
كأنما قضي عليه أن يفتقد دواما صديقا لروحه المعذبة. - عند ذاك ستكون رياض قلدس آخر! - لمه؟ .. أنت واهم جدا ..
فقال وهو يداري قلقه بابتسامة: واهم؟! رياض اليوم شخص لا يشبع روحه شيء ويقنع جيبه بلا شيء، أما الزوج فلن يشبع جيبه أبدا ولن يجد فرصة لمتاع الروح .. - يا له من تعريف جارح للزوج، ولكني لا أوافقك عليه .. - كإسماعيل الذي اضطر إلى الهجرة إلى العراق، لست أسخر من هذا؛ فهو طبيعي فوق أنه بطولة، ولكنه في الوقت نفسه بشع، تصور أن تغرق حتى قمة رأسك في هموم الحياة اليومية، ألا تفكر إلا في مشكلات الرزق، أن يحسب وقتك بالقروش أو الملاليم، أن تمسي شاعرية الحياة ضياع وقت؟
فقال رياض في استهانة: أوهام مبعثها الخوف! - وقال إسماعيل لطيف: آه لو تعرف الزواج والأبوة! لقد فاتك حتى اليوم أن تعرف حقيقة الحياة ..
لا يبعد أن يكون الصواب رأيه، ولو صح هذا فحياته مأساة سخيفة، ولكن ما السعادة وماذا يروم على وجه التحقيق؟ غير أن الذي يكربه الآن أنه بات مهددا بالوحدة المرعبة مرة أخرى، كما عانى عقب اختفاء حسين شداد من حياته، لو كان من الممكن أن يجد زوجة لها جسم عطية وروح رياض؟! هذا ما يروم حقا، جسم عطية وروح رياض في شخص واحد يتزوجه فلا يتهدده الشعور بالوحدة حتى الموت، هذه هي المشكلة، وإذا برياض يقول في ضجر: دعونا من حديث الزواج. لقد انتهيت منه وعقبى لك، على أن ثمة أحداثا سياسية هامة هي التي ينبغي أن تستأثر اليوم باهتمامنا.
وكان كمال يشاركه مشاعره هذه غير أنه لم يستطع أن يفيق من المفاجأة فتلقى دعوة الآخر بفتور ظاهر ولم ينبس، أما إسماعيل لطيف فقال ضاحكا: عرف النحاس كيف ينتقم لإقالة ديسمبر سنة 1937 فاقتحم عابدين على رأس الدبابات البريطانية!
وتريث رياض قليلا ليعطي كمال فرصة للرد غير أن هذا لم ينشط للكلام، فقال رياض في لهجة متجهمة: انتقام؟! إن خيالك يصور لك المسألة على وجه هو أبعد ما يكون عن الحقيقة .. - فما الحقيقة؟
وألقى رياض نظرة على كمال كأنما يحثه على الكلام فلما لم يستجب استطرد قائلا: ليس النحاس بالرجل الذي يتآمر مع الإنجليز في سبيل العودة إلى الحكم، إن أحمد ماهر مجنون، هو الذي خان الشعب وانضم إلى الملك، ثم أراد أن يغطي مركزه المضعضع بتصريحه الأحمق الذي أعلنه أمام الصحفيين ..
ثم نظر إلى كمال مستطلعا رأيه، وكان حديث السياسة قد جذب أخيرا بعض اهتمامه غير أنه شعر برغبة في معارضة رياض ولو بعض الشيء فقال: لا شك أن النحاس قد أنقذ الموقف، ولست أشك في وطنيته مطلقا، إن الإنسان لا ينقلب في هذه السن إلى خائن ليتولى وظيفة تولاها خمس مرات أو ستا من قبل، ولكن هل كان تصرفه هو التصرف المثالي .. - أنت شكاك لا نهاية لشكك، ما الموقف المثالي؟ .. - أن يصر على رفض الوزارة حتى لا يخضع للإنذار البريطاني وليكن ما يكون. - ولو عزل الملك وتولى أمر البلاد حاكم عسكري بريطاني؟ - ولو! ..
Неизвестная страница