التحق منذ عودته إلى مصر بديوان المعية الخديوية، وعلت مكانته لدى الخديو عباس الثاني حتى سمي «شاعر الأمير»، لكن روحه الوطنية لم تتأثر كثيرا من صلته بالقصر، هذا إلى أن الخديو عباس كان في أول عهده بالعرش يناوئ الاحتلال، والاحتلال يناوئه، حتى إذا جنح لمهادنة الاستعمار، لم يكن لهذا التحول أثر كبير في شعر شوقي، اللهم إلا هدأة وقتية في الحرب المشبوبة بين الأمة والاحتلال، على أن تأصل روح الوطنية في نفسه جعله لا يجاري الخديو عباس في انصرافه عن الحركة الوطنية، ثم في تنكره لها؛ فبقي شعره ينهل من منبع الوطنية الصافي.
وانفصل عن منصبه في القصر بعد خلع الخديو عباس عن العرش في ديسمبر سنة 1914 وتحرر من المنصب الحكومي؛ فزادته الحرية قوة وإنتاجا، وتحليقا في سماء الشعر والفن والخيال، واستهدف لاضطهاد السلطة العسكرية البريطانية؛ إذ قررت نفيه وتركت له اختيار البلد الذي ينفى إليه، فاختار إسبانيا «الأندلس»، وبقي على عهده للوطن، ثم عاد من منفاه في فبراير سنة 1920، والبلاد في غليان الثورة، فاستقبلت مصر شاعرها الملهم استقبالا حافلا رائعا.
ويمتاز شعر شوقي بقوة البيان، وروعة الموسيقى الشعرية، وسعة الأفق، والتعمق في استيعاب الحوادث التاريخية، قديمها وحديثها، ولقد جارى فحول الشعراء المتقدمين، وبزهم في كثير من قصائده، وجدد بعض التجديد في الشعر العربي بما اقتبسه عن شعراء الغرب، وعن الثقافة الأوروبية، وسار في التجديد شوطا بعيدا وخاصة بعد عودته من المنفى؛ إذ وضع عدة مسرحيات شعرية بلغت مبلغا عظيما من الفن والموسيقى والجمال، كمصرع كليوباترا، ومجنون ليلى، وعنترة، وغيرهما، وظل ينتج ويشدو ويبدع، إلى أن توفي في 14 أكتوبر سنة 1932.
الوطنية في شعر شوقي
في قصائد شوقي يسطع نور الوطنية، ويتأجج لهيبها، وهو أغزر الشعراء مادة وأوسعهم إنتاجا من هذه الناحية، ولقد ظل يستلهم روح الوطنية طول حياته، شابا وكهلا وشيخا، بل إن شعره الوطني في شيخوخته كان أقوى منه في شبابه، وقد يكون مرجع ذلك إلى تجرده من الاتصال بالقصر بعد خلع الخديو عباس حلمي، كما أسلفنا، ثم إلى نفيه من مصر في أوائل الحرب العالمية الأولى، فأثار البعد عن الوطن شاعريته، وجاد بأبدع قصائده في الحنين إلى مصر وحبه لها والهيام بها إلى درجة التقديس، ومرجع ذلك أيضا إلى تأصل عبقرية الشعر في نفسه، فلم تضعفها السن، ولم ينل منها الزمن، وظلت قوية تتدفق حيوية ونشاطا.
والوطنية في شعر شوقي هي فيض الفطرة والإلهام، وليست من صنع الظروف أو التكلف؛ ولذلك جاءت قوية جارفة، عميقة رائعة.
فتأمل في أول قصيدة له في ديوانه وهي التي قالها في المؤتمر الشرقي الدولي المنعقد بمدينة جنيف عام 1894 ومطلعها:
همت الفلك واحتواها الماء
وحداها بمن تقل الرجاء
تجدها آية في شعر الملاحم أو الشعر التاريخي، وتحس وأنت تقرؤها أنها قبس من نور الوطنية؛ فهي سجل ناطق ل «كبار الحوادث في وادي النيل»، وقد بلغ عدد أبياتها ثلاثمائة بيت إلا قليلا (تسعين ومائتي بيت)، عرض فيها عرضا أخاذا بديعا تاريخ مصر من أقدم العصور إلى عام نظمها، أشاد بعظمتها ومجد مفاخرها، وحنا عليها في كبواتها، واستنزل السخط على كل من اعتدى عليها.
Неизвестная страница