ولا أيضا يحتمل الانفصال والانفكاك وإلا لاحتمل الاندفاع إلى جهات غريبة وكان في طبعه مبدأ حركة مستقيمة كما علمت: فبين من هذا أن هذا الجسم لا يتحرك بغير الاستدارة ولا أيضا يسكن البتة بوجه من الوجوه فلا يكون إذا للنفس المحركة له ما دامت موجودة فيه قوة على أن لا تتحرك لأن هذا محال ولا قوة على المحال - فإذا هذا الجسم متحرك بالطبع وإن لم يكن متحركا بالطبيعة الساذجة بل بالنفس وهذا الجسم بسيط لا محالة كما قلنا لأنه لو كان متركبا من بسائط لكان غير ممتنع أن يعود إلى ما منه تركب بالافتراق وقد ثبت امتناع الافتراق فيه ولأنه بسيط فهو كرى الشكل ولا يمكن أن يتشكل بالقسر بغير شكله وإلا فهو قابل للدفع وأجزائه لاختلاف الوضع فهو قابل للافتراق وقد قيل ليس كذلك فإذا شكله واحد.
المقالة الرابعة في الاشارة إلى الأجسام الأولى وإشباع القول في قواها قد ثبت أن في حيزنا هذا أجساما منها تتركب المركبات ولا محالة أن جسم النار من جملتها وذلك لأنه لا يوجد أبسط منه في الحرارة وهو جسم غاية في الحرارة ونظن أنه يابس ويأخذ المكان إلى فوق. فلا يخلو إما أن يكون ذلك لأنه حار فيكون مكان الحار فوق مكان البارد أو يكون لأنه يابس فيكون مكان اليابس فوق مكان الرطب - وهذا القسم يظهر استحالته بالماء والأرض - فإذا القسم الأول صحيح فإذا ينبغي أن يليه من تحته الجسم الحار الرطب ثم شاهدنا الماء باردا بالطبع رطبا ولا يوجد جسم أبسط منه في البرودة والأرض دونه في الحيز فالأرض إذا باردة إذ البارد لا يعلو بالطبع الحار كما تبين والأرض يابسة بلا شك فإذا الذي يعلو الماء وهو الهواء حار رطب حتى يكون بينه وبين الماء مناسبة ما في طبيعته فيكون بينهما مجاورة في المكان. وكيف لا يكون الهواء رطبا وهو من أقبل الأجسام لحد الرطب فتبقى النار يابسة بالحقيقة كما هي في الظن لكن النار حرها أشد من يبسها والأرض يبسها أشد من بردها والماء برده أشد من رطوبته بل لو ترك وطبعه لكان لقائل أن يقول أنه يجمد وييبس إن لم يسيله جسم حار إلا أنه ليس جموده كجمود الأرض لأن قبوله للتحلل شديد جدا فهو أرطب من الأرض والهواء رطوبته أشد من حرارته وتنتهي الاسطقسات عند النار ومعلوم أنه لا توجد أجسام أبسط في هذه الطبائع وأكثر في هذه الكيفيات من هذه فهي العناصر وإن كانت في الوجود أيضا قد خالطها غيرها إلا أنا لا نشك أن لها في جوهرها شيئا هو الغالب في الخلط وإياه نعني
Страница 119