على أن أسعد باشا والي صيدا قسم الولاية في لبنان، فجعل الأمير حيدر إسماعيل على النصارى بلبنان، وسماه قائمقام النصارى، وولى على بلاد جبيل وتوابعها واليا مسلما، ونصب الأمير أحمد عباس الأرسلاني على الدروز، وسماه قائمقامهم، واختلف القائمقامان الماروني والدرزي على المختلطين في أعمال لبنان من نصارى ودروز، وكتب أسعد باشا إلى الباب العالي، فصدر الأمر بقسمة البلاد فجعل الوزير سكة دمشق فاصلا بين القائمقاميتين، فما كان منها إلى الشمال تولاه قائمقام النصارى، وما كان منها إلى الجنوب وليه قائمقام الدروز. وفي سنة 1844 أمر الباب العالي برجوع ولاية بلاد جبيل، وما تبعه إلى قائمقامية النصارى.
وفي سنة 1845 كانت الحرب الأهلية بين النصارى والدروز في لبنان، وتعرف العامة هذه الحرب بالحركة الثانية، وكانت فيها عدة مواقع في ساحل بيروت والمتن والغرب والشحار والجرد والشوف، ولولا توسط رجال الحكومة لأضر النصارى بالدروز أضرارا كثيرة، وكانت نهاية هذه الحرب في أن وجيهي باشا (الذي خلف أسعد باشا في إيالة صيدا) جمع في بيروت بعض وجوه النصارى والدروز، وأجرى بينهم الصلح واستكتبهم صكوكا مانعة من تجديد الفتنة بينهم، ثم وفد إلى بيروت شكيب أفندي مرسلا من الأستانة لتدبير شئون لبنان، وقدم نميق باشا السر عسكر من دمشق بألف جندي إلى بتدين، وسار إلى هناك شكيب أفندي والأمير حيدر إسماعيل قائمقام النصارى والأمير أحمد أرسلان قائمقام الدروز، ولما وصلوا إلى بتدين أخذ سلاحهم وسلاح من كان قد حضر معهم وسلاح أهل دير القمر، وفرق العساكر المنظمة في أعمال البلاد لهذه الغاية، فأثقلوا على الأهلين وأهانوا بعض الكهنة في كسروان، وسار نميق باشا بعسكره إلى العاقورة، وأخذ سلاح أهلها ثم نهض إلى تنورين فالتقاه أهل جبة بشري قاصدين صده، فناوشهم فانهزموا إلى الحدث ولحقهم إلى هناك، فهربوا إلى بشري وتوسط بطريرك الموارنة أمرهم بأن يقدموا سلاحهم إلى الحدث، ولا يدخل العسكر قراهم فرضي نميق باشا، ولما قدموا سلاحهم سار بعسكره إلى أطرابلس ثم إلى بيروت.
ثم عزل شكيب أفندي الأمير أحمد أرسلان عن قائمقامية الدروز، وولى مكانه أخاه الأمير أمينا، وأما الأمير حيدر إسماعيل، فأدركته الوفاة سنة 1854 في قرية صربا بكسروان مفلوجا، وبلا عقب فعين واثق باشا ابن أخيه الأمير بشير عساف قائمقاما للنصارى، وكتب إلى الأستانة يلتمس تولية الأمير بشير أحمد فأجيب إلى طلبه.
وفي سنة 1859 كانت ثورة الكسروانيين على مشايخهم آل خازن، وطردوهم من كسروان، وفي السنة المذكورة كانت وقعة بيت مري بين النصارى والدروز، فعقبتها سنة 1860 الملاحم التي كانت في دير القمر وحاصبيا ودمشق، والمواقع التي كانت بين الفريقين في باقي أعمال البلاد الجنوبية، على أن ما جرى على النصارى لم تتحمله رأفة السلطان الغازي عبد المجيد خان، واشمأزت منه دول أوروبا وشعوبها، فأرسل جلالة السلطان فؤاد باشا بصفة مفوض بالاستقلال؛ ليجزي كل من اشترك في المنكرات بما جنت يداه، ويؤمن رعايا الدولة ويعيد السكينة والراحة إلى البلاد، وأرسلت حكومة فرنسا ستة آلاف جندي إفرنسي باسم دول أوروبا، وأمرت على عساكرها الجنرال بوفور دي هرطبول والجنرال دي كرو، وأرسلت دول فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا مفوضين للمداولة بإصلاح ذات البين، وفرض ما يلزم من النظام لمنع تجديد الفتن الأهلية فأقاموا بيروت، وبعد أن أجرى فؤاد باشا جزاء من ثبت اشتراكهم في هذه الفظائع بقتل ونفي كثيرين، وتأمين البلاد، أخذ يتداول مع مفوضي الدول بوضع نظام يكفل راحة البلاد، وعدم تجديد الفتن فيه فوضعوا أولا نظاما في 20 آذار سنة 1861 مؤلفا من 47 مادة، ثم عولوا على نظام آخر في أول أيار من السنة المذكورة مؤلفا من ست عشرة مادة ... ومن فحواه أن يكون في الجبل حاكم واحد مسيحي من الأكثرية، ورفعوا النظامين إلى الباب العالي؛ ليتفق مع سفراء الدول على أحدهما، وحصلت المذكرات بذلك وتقرر نظام البلاد الحالي. (9) في ما كان بسورية في أيام السلطانين عبد العزيز ومراد وسلطاننا الغازي عبد الحميد خان الثاني أطال الله أيام سلطنته
توفي السلطان عبد المجيد خان في 25 حزيران سنة 1861، وبويع بالخلافة بعده أخوه السلطان عبد العزيز خان في اليوم الثاني لوفاته، فتوفي سنة 1876، وخلفه أخوه السلطان مراد خان الخامس في أواخر أيار سنة 1876، لكنه بعد استوائه على سرير الملك ظهرت عليه أمارات اختلال الشعور، وأقر الوزراء لزوم المبايعة لأخيه السلطان عبد الحميد خان سلطان هذا الزمان أيد الله عرشه، ومتع رعاياه بعدله وحلمه وحسن نواياه، وكان استواؤه على منصة الملك في 30 آب سنة 1876. وأما ما كان في سورية في هذه المدة أي: من سنة 1861 إلى الآن فقليل الأهمية. وتبدل على متصرفية لبنان إلى الآن ستة ولاة أو متصرفين: أولهم داود باشا الأرمني سماه السلطان سنة 1861 برضى سفراء الدول الموقعة على نظام لبنان، ولم تخل أيام ولايته من القلق، وكان فؤاد باشا قد سمى يوسف بك كرم لقائمقامية النصارى، وانتهت مأموريته هذه بوصول داود باشا إلى لبنان، وأراد المتصرف أن يستخدمه في إحدى القائمقاميات لما كان له من نفوذ الكلمة ومحبة الشعب له، فأبى قبول أية وظيفة كانت، ولما ضويق ليقبل منصبا سمي قائمقاما لقضاء جزين لكنه استقال من هذا المنصب في اليوم الثالث، وسار إلى داره بأهدن فوجس داود باشا من هذا الاعتزال وشكا الأمر إلى فؤاد باشا، فكتب إلى كرم أن يحضر إليه طلق العنان (كما في أصل الرسالة)، فأسرع بالحضور دون إبطاء إلى بيروت، ولما قابل فؤاد باشا أمره أن يبقى حيث كان وقتئذ في القشلة العسكرية، فبقي مكرما وبعد أيام صحبه فؤاد باشا معه إلى الأستانة.
وأقام كرم بك بالأستانة مكرما مطلقا له أن يتوجه حيث شاء إلا إلى سورية. وفي سنة 1864 جددت ولاية داود باشا، ولما علم كرم بك بذلك عاد إلى زغرتا في 12ت2 سنة 1864، فاهتزت البلاد له، ورأى داود باشا أنه يتعذر عليه إدارة البلاد وهو فيها وأن لا قوة له لكبته، فأمنه وسافر إلى الأستانة سنة 1865؛ ليستأذن بحربه ويستعد له، وبعد عوده من الأستانة قبض في أواخر السنة المذكورة على بعض أنسباء كرم وأصحابه ليهيجه، وعلم يوسف بك ما وراء الأكمة، فأتى بجمهور من شمالي لبنان أكثره من أهل التعقل والسلامة لا من أهل الحرب، آملا أن يحمل الباشا على مصالحته، فبلغوا في 6ك2 سنة 1866 إلى دير مار ضوميط البوار وبينا كان البك يسمع القداس أطل بعض فرسان الدراكون على رجال البك، وناوشوهم للقتال، فاضطرمت نار الحرب وتقدم البك برجاله إلى المعاملتين، فزادت نار الحرب تسعرا وقتل من الطرفين عدة قتلى، وعاد البك برجاله إلى زغرتا.
فأرسل داود باشا العساكر في أثره، ورفع البك إلى عمال الدولة في سورية وقناصل الدول فيها الحجة على أنه لا يريد قتال عساكر الدولة، ويستعيذ من العصيان على السلطنة، لكن إذا دهمته العساكر فيضطر أن يدافع عن نفسه وأصحابه. وكانت وقعات بين كرم والعساكر انتصر بها كرم في بنشعي، وبسبعل ثم اختفى وكانت العساكر تطلبه، ولم تنل منه مأربا. أخيرا سئمت نفسه الاختفاء، وظهر واجتمع عليه نحو ثلاثمائة رجل وقام بهم في وسط البلاد من جبة بشري إلى بلاد البترون وجبيل وكسروان حتى بلغ إلى قاطع بيت شباب، وعسكر الحكومة يتبعه عن بعد، ولم يتحرش لقتاله إلا في الوادي الفاصل بين كسروان والقاطع، ولما رأى داود باشا اتساع الخرق لجأ إلى قنصل فرنسا لإيجاد مخرج من هذه الحال السيئة، وبينما كان يوسف بك في القاطع أرسل إليه قنصل فرنسا كتابا يعرض عليه به أن يكون تحت حماية فرنسا ، وهي تسفره من لبنان بكل أمن إلى فرنسا وأرسل إليه بعض أعيان ملته؛ ليقنعوه بالإجابة إلى طلبه، فعاد البك حينئذ برجاله إلى بكركي كرسي بطريركية الموارنة، والتقاه القنصل إلى هناك فارتضى البك حماية فرنسا وأن يسافر تحت رايتها، وبارح بكركي قاصدا بيروت للسفر منها إلى فرنسا، فاجتمعت في بكركي الألوف المؤلفة ورافقته في سفره إلى بيروت وغصت الطريق بالملاقين له، وكان لدخوله بيروت احتفال لم يكن له مثيل قبله، وسافر إلى مرسيليا في شباط سنة 1867، ثم إلى جزائر الغرب حيث عين له نابوليون الثالث نفقة لمصروفه عشرين ألف فرنك في السنة.
وأما داود باشا فاستمر على متصرفية لبنان إلى أن عزله الباب العالي برضى سفراء الدول سنة 1868، وسمى خلفا له المرحوم فرنكو باشا كوسا، ودبر هذه المتصرفية إلى أن مات مأسوفا عليه سنة 1873، ودفن في الحازمية، وخلفه رستم باشا وأقام عشر سنوات إلى سنة 1833 حين سمى الباب العالي بدلا منه واصا باشا، ودبر الجبل إلى أن توفي في 29 حزيران سنة 1892، ودفن في الحازمية أيضا، وخلفه سنة 1892 نعوم باشا ابن أخت فرنكو باشا ودبر جبل لبنان إلى سنة 1902 حين انقضت مدة ولايته، فسمى الباب العالي خلفا له برأي سفراء الدول مظفر باشا، وهو المتصرف الحالي، وفقه الله إلى ما به عمل الخير ورضى المتبوع الأعظم، ونجاح لبنان.
وفي سنة 1885 فصلت ولاية بيروت عن ولاية سورية، وجعلت ولاية مستقلة، وكان أول من وليها المغفور له علي باشا أقام على الولاية نحو سنة، وتوفي وسمي موضعه حسين فوزي باشا، ثم راؤف باشا، ثم عزيز باشا، ثم إسماعيل بك، ثم خالد بك، ثم نصوحي بك، ثم ناظم باشا، ثم رشيد بك أفندي، ثم خليل باشا والينا الحالي.
ونحمد الله على أن السوريين لزموا السكينة والهدوء، والانقياد لأمر سلطاننا الأعظم في كل هذه المدة الأخيرة، ولم يصنعوا شيئا يسخط المتبوع الأعظم عليهم إلا بعض المنازعات التي كانت في حوران بين الدروز والعرب.
Неизвестная страница