Журнал Баян
مجلة البيان
الوقت
إن بالشرق ويا للأسف لآفات جمة ذهبت بسابق مجده، وأفضت به إلى نقيض شأنه وعهده، وكل تلك الآفات فادح غير أن أفدعهن جميعًا وأقلهن مع ذلك خطورًا على البال إنما هي
آفة الإسراف في الوقت
الوقت! ذلك الشيء الثمين. . . ذلك الشيء الذي لا يقوّم بقيمة، اللهم إلا إذا جعل في كفة من الميزان وجعلت المدنية بجُمّاع ما أتت به المعجزات في العالم كله منذ مبدأ الخلق في كفة أخرى.
ذلك الشيء النفيس لولاد للعجائب، الجالب لضروب السعادات من عقلية وجثمانية المرقي للإنسان، العارف بقدره إلى أسمى درجات العز والمجد هو الذي نفنيه الدقيقة فالدقيقة والساعة فالساعة واليوم فاليوم والعمر فالعمر بلا غلة ولا فائدة، بل هو الذي نعكس آيته عكسًا فاحشًا فنقضيه في اللهو والفراغ والأباطيل لنلف بها ألبابنا ونضعف عزائمنا ونصغر همومنا ونقرب آماد آجالنا إلى أن يبلغ أحدنا الكهولة فيشعر ونشعر جميعًا منه بأن الصدأ قد ثلم فطنته تثليمًا، وأن الوبالة قد هدت قواه هدًا.
يعيش صاحبنا السبعين أو الثمانين من طوال السنين فإذا قضى وجمعنا أعماله النافعة فكأنه عاش سبعين أو ثمانين ساعة من مثل هذا الانهماك في اللذائذ والجهل العميم الذي أوخمه عاقبة جهلنا لقدر الوقت وتبديدنا لكنوزه الخلفية بلا حساب. إلى أية نتيجة أفضينا؟ وعند أية نهاية وقفنا؟
خذوا مصر مثلًا وما هي فيه الآن من كل ما ليس يرضى وقابلوا بين تأخرها وتقدم أدنى أمة راقية شرقًا أو غربًا تتبينوا الجنايات الكبرى التي جناها علينا الإسراف في الوقت.
أيها السادة
لعله ساءكم مني أن أسمعكم عن أمتنا العزيزة وبلادنا المحبوبة ما سمعتم من الحقائق الأليمة في القسم الأول من خطبتي ولكنني تسامحت في ذكرها رعاية لهذا المقام وضنا في الاجتماع الجليل أن نخرج منه ولم نستفد ما يستفيده الحصناء من حقيقة سيئة يكشف عنها النقاب ولا سيما إذ تبدو علامة واضحة الجلاء تبشر بأن في المجموع العظيم من القوم الجثوم القعود نفرًا قد أخذوا ينهضون نهضة تشرفهم ومن نتائجها المحققة إن شاء الله أن
12 / 115