69

ثم شهقت بالبكاء واسترسلت في هزة مرة من الحزن.

ولم يملك سلامش قلبه من أن يجيش بالحزن، وقال لها في تأثر: إنني أرحمك في حزنك الذي لا أملك دفعه. كان أهلك أعدائي، وكنا معا في ميدان قتال يسعون فيه إلى قتلنا كما كنا نسعى إلى قتلهم. وهل للشجعان مصير إلا الموت في ميدان الحرب؟ ولو كان أهلك بين هؤلاء الأسرى لما ترددت في افتدائهم من أجلك، ولكنهم في غير حاجة إلي ولا إليك. إن حزنك يؤلمني وإن كانت كبرياؤك قهرت كبريائي. إذا شئت أن تبعدي إلى مكان تختارينه كان لك ما تشائين، وإن أحببت المقام هنا كنت في أعز مكان عندي.

فنظرت الفتاة نحوه وقد زال من عينيها ذلك البريق القاسي الذي كان يلوح منهما كلما نظرت نحوه من قبل، وأطالت نظرتها إليه حينا ثم أغضت صامتة.

ولم يذهب سلامش ذلك المساء إلى خيمته حتى كان قد قاسمها بعض الطعام الذي كان على المائدة.

وجاء بريد السلطان في الصباح يحمل إلى سلامش أمرا بالسير إلى دمشق بمن معه من الجند، ووهب له المدينة يتصرف في غنائمها كما يشاء اعترافا ببسالته وجزاء على انتصاره العظيم.

وقضى سلامش يومين كاملين في الاستعداد للمسير إلى دمشق . وبكر في يوم الرحيل إلى خيمة الفتاة، وهو خفيف الخطوة متهلل النفس، فرآها راقدة على أريكة. فلما وقع بصرها عليه جال على وجهها طيف ابتسامة واعتدلت في مكانها. ولما حياها تحية الصباح ردت تحيته، ثم جلس قريبا منها وأخذ يحدثها، وكان في حديثه خفيض الصوت مهتز النبرات.

قال لها: لقد أمرني السلطان أن أسير إلى دمشق.

فلم تجبه، بل نظرت نحوه كأنها تنتظر لحديثه تتمة، واستمر قائلا: وقد أراد السلطان العظيم حفظه الله أن يهب لي هذه المدينة، فهل لك مطلب فيها؟

فصاحت الفتاة ومدت نحوه يديها قائلة: إذا فالمدينة في يديك؟

فقال لها: هي كذلك، فاطلبي ما تحبين ...

Неизвестная страница