صورة طبيعية لشخصية إنسانية صميمة، لونها نجيب محفوظ، دون أن يلجأ إلى افتعالية الرتوش؛ إنه يقدم إلينا عنصر التبرير الموضوعي لتحول هذه الشخصية من موقف إلى موقف. أقوى الأقوياء لا تخلو حياتهم من لحظات الضعف، ولكن افتعالية الرتوش هي التي تظهر لنا الصورة الإنسانية، وقد خلت من ألوان تلك اللحظات، وكأن الإنسان آلة تسيرها قوة منظورة إلى طريق مرسوم. نجيب محفوظ - كدارس سيكولوجي واجتماعي من خلال العمل الروائي - لا يتورط في فرض تلك الآلية على أبطاله، ومن هنا تبدو شخصياته وهي بعيدة عن قابلية التحول من موجات نفسية تندفع وتنحسر في نهر الحياة، إلى دمى خشبية تفرض عليها الأصابع المحركة أن تتخذ أوضاعا معينة!
في الفصل الرابع من «السكرية» نرى كمال وهو يندفع مع الجموع الشعبية إلى سرادق الاحتفال بعيد الجهاد الوطني، «كان هذا ثامن عيد يشهده، وكان كالآخرين قد امتلأ بمرارة التجارب السياسية التي خلفتها الأعوام السابقة، والأعوام التي تلت موت سعد، وقال لنفسه وهو يستعيد ذكريات تلك المرارة: لقد عاصرت عهد محمد محمود، الذي عطل الدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد واغتصب حرية الشعب، كما عشت سنين الإرهاب والعهر السياسي، التي فرضها إسماعيل صدقي على البلاد؛ كان الشعب يثق في قوم ويريدهم حكاما له، ولكنه كان يجد فوق رأسه دائما أولئك الجلادين البغضاء، تحميهم هراوات الكونستبلات الإنجليز ورصاصهم، وسرعان ما يقول له بلغة أو بأخرى: أنت شعب قاصر ونحن الأوصياء؛ والشعب يخوض المعارك دون توقف، فيخرج من كل معركة وهو يلهث، حتى اتخذ في النهاية موقفا سلبيا شعاره الصبر والسخرية، فخلا الميدان إلا من الوفديين من ناحية والطغاة من ناحية أخرى، وقنع الشعب بموقف المتفرج وراح يشجع رجاله في همس، دون أن يمد لهم يدا. إن قلبه لا يستطيع أن يتجاهل حياة الشعب، إنه يخفق معه دائما، رغم عقله التائه في ضباب الشك!»
من خلال هذا التسجيل النفسي والتاريخي، يتخذ نجيب محفوظ من شخصية بطله كمال، إحدى اللافتات المضيئة التي تشير إلى منعطفات الدروب الاتجاهية، بالنسبة إلى جيل بدأت خطواته وهي ثابتة، ثم انتهت وهي متعثرة؛ لأن رصيده من أسلحة المقاومة لم يكن متكافئا مع رصيد أعدائه من أسلحة القمع والإرهاب. وفي ضوء هذه اللافتة، نرى كمال وقد بدأ يتأزم، نراه وقد بدأ إيمانه بالقيم يهتز؛ هذا الشعب الذي استكان للطغاة في سلبية مثيرة، أهو ذلك الشعب الذي كان يلتقي به في عيد الجهاد الوطني، فيذكره هديره العاصف بأن في «مكتبته - أي مكتبة كمال - أصدقاء قليلين ممتازين مثل دارون وبرجسون ورسل، وفي هذا السرادق ألوفا من الأصدقاء يبدون بلا عقول، ولكن يتمثل في مجتمعهم شرف الغرائز الواعية، وليسوا في النهاية دون هؤلاء المفكرين خلقا للحوادث وصنعا للتاريخ؟!» إن إيمان كمال بالشعب بدأ يعتريه الشك؛ وزحف الشك بعد ذلك إلى إيمانه بالعلم وبالفلسفة، لقد أصبح من رأيه أن «الفلسفات قصور جميلة، ولكنها لا تصلح للسكنى.» أما العلم فقد غدا من خلال رؤيته العقلية: «دنيا مغلقة من حولنا، لا نعرف إلا بعض نتائجها القريبة، لقد اطلع على آراء نخبة من العلماء، يرتابون في مطابقة الحقيقة العلمية للحقيقة الواقعية، وآخرين ينوهون بقانون الاحتمال، وغيرهم ممن تراجعوا عن ادعاء الحقيقة المطلقة؛ فلم يلبث أن حرك رأسه مرتابا!»
كان له إيمانه الديني ثم إيمانه بالحقيقة، ولم يلبث الله أن خرج من عالم كمال، ولم يلبث أن خرج بعده رسل وبرجسون وإسبينوزا ودارون؛ ويقول له صديقه عبد العزيز الأسيوطى صاحب مجلة «الفكر الحر»، التي يشارك في تحريرها ببحوثه ودراساته: «أنت أعزب في فكرك كما أنت أعزب في حياتك!» ويقول كمال لنفسه: «ترى أكانت عزوبته نتيجة لفكره، أم كان فكره نتيجة لعزوبته، أم أن الاثنين كانا نتيجة لشيء ثالث؟!»
في هذا المنولوج الداخلي الموجز، يقدم نجيب محفوظ خريطة المعالم النفسية لأزمة بطله كمال، وعلى امتداد الخطوط في هذه الطريقة، نستطيع أن نحدد تضاريس تلك الأزمة، التي صنعت شتى الاتجاهات الأخيرة لشخصيته؛ إن مضمون الفكر الأعزب والحياة العزباء، هو في جوهره مضمون الوحدة المقلقة، وهذه الوحدة كما تساءل كمال بينه وبين نفسه - كانت نتيجة لشيء ثالث، والشيء الثالث كان في ضوء الواقع شيئين: لقد هزم الشعب - بعد موت سعد - في صراعه القومي ضد الأقلية والاستعمار والقصر، وهزم هو - أي كمال - في صراعه الطبقي ضد «عايدة». ومن هنا، من هذين المنبعين الرئيسيين، انبثق تيار الأزمة العقلية والنفسية، جارفا معه إيمان كمال بأكثر ما اعتنقه من قيم، وتدفقت بعد ذلك في حياته تيارات أخرى من منابع جديدة، عمقت مجرى الأزمة وجسمت معالم المشكلة. لقد سيطر الانحلال الخلقي على المجتمع، وأصبح المنحلون أخلاقيا - من أمثال رضوان ابن أخيه ياسين - هم أصحاب الحظوة والنفوذ لدى المسئولين من رجال الحكم، أما هو - الإنسان الجاد الذي كان مرتبطا في حياته بقيم ومبادئ - فقد بقي مدرسا مغمورا يلقن مبادئ اللغة الإنجليزية لتلاميذه الصغار، واستمر موظفا لم يتخط بعد عشرة أعوام من العمل المرهق حدود الدرجة السادسة. وحين يتقرر نقله إلى أقاصي الصعيد لا يجد من يتوسط له ويبقيه في القاهرة غير ابن أخيه الناعم المنحل الذي لا يعرف مبادئ الشرف؛ وماذا كانت النتيجة التي خرج بها من إيمانه بالثقافة؟ لقد أدرك أخيرا أن الثقافة لا كرامة لها في بلده! إن أخاه الجاهل ياسين - بفضل المكانة المرموقة لنجله المنحرف - قد سبقه في ميدان المكاسب المادية من وظائف الحكومة؛ وصديقه فؤاد - ابن جميل الحمزاوي الذي كان عاملا في محل أبيه السيد أحمد عبد الجواد - أصبح يخاطب رب نعمته بلغة التعالي والكبرياء، وقد وضع ساقا على ساق؛ لأنه اليوم وكيل للنيابة بعد أن تخرج في مدرسة الحقوق أو مدرسة النفوذ، ولم يتخرج كما فعل هو في مدرسة المعلمين أو مدرسة الثقافة؛ والدراسات الجادة العميقة التي كان ينشرها في مجلة «الفكر الحر»، لم تجد من يقدرها في مجتمع تسوده في ميدان الفكر والخلق والسياسة كل أسباب التدهور!
ويقول له صديقه رياض قلدس الكاتب القصصي، الذي كان يشاركه في تحرير تلك المجلة: «إنك تعاني أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثي لك؛ إنك توحي إلي بشخصية الرجل الشرقي الحائر بين الشرق والغرب، الذي دار حول نفسه كثيرا حتى أصابه الدوار!» ويقول كمال لنفسه وقد تفجر في داخله أحد المنبعين الرئيسين لأزمته: «يتكلم عن الشرق والغرب؛ ولكن من أين له أن يعرف عايدة؟ قد تكون التعاسة متعددة الجوانب.»
هل انتهى كمال، الشخصية المصرية الصميمة، المعبرة عن واقع جيل مأزوم، والتي انتزع لها نجيب محفوظ - من خلال لحظات ضعفها النبيل - كل ما في نفوسنا من إيجابية الثورة على مجتمع بشع، تعود أن يحطم أروع ما يستقر في نفوس أفراده من إيمان بالقيم؟!
لقد انتهى كمال ليبدأ من نقطة النهاية؛ ليبدأ في شخصية أخرى رسمها نجيب، لتكون واجهة عرض جديدة للجيل المتطور؛ الذي مهد لثورة 1952، إنها شخصية أحمد شوكت، المكافح الشاب صاحب الأفكار التقدمية، المعبر عن انتفاضة الشعب الناطقة بعد صمت طويل؛ انتهى فهمي ليبعث في كمال، وانتهى كمال ليبعث في ابن أخته أحمد، من خلال قطاع طولي ممتد عبر العمل الروائي على مدار الأجزاء الثلاثة، ومن وراء الزجاج الشفاف لواجهة العرض الجديدة، نلمح مجموعة القيم العقائدية لشخصية أحمد شوكت. «إن الوفد حزب الشعب، وهو خطوة تطورية وطبيعية في آن؛ كان الحزب الوطني حزبا تركيا دينيا رجعيا، أما الوفد فهو مبلور القومية المصرية ومطهرها من الشوائب، إلى أنه مدرسة الوطنية والديمقراطية. ولكن المسألة أن الوطن لا يقنع ولا ينبغي له أن يقنع بهذه المدرسة؛ نريد مرحلة جديدة من التطور، نريد مدرسة اجتماعية لأن الاستقلال ليس بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية. أما الأدب فهو وسيلة من وسائل التحرير الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فمن الأزهر ودار العلوم خرجت آداب مرضية عملت أجيالا على تجميد العقل والروح؛ والعلم أساس الحياة الحديثة؛ ينبغي أن ندرس العلوم وأن نتشبع بالعقلية العلمية، الجاهل بالعلم ليس من سكان القرن العشرين ولو كان عبقريا. وعلى الأدباء أن ينالوا حظهم منه. لم يعد العلم وقفا على العلماء، أجل لهؤلاء التضلع والتعمق والبحث والكشف، ولكن على كل مثقف أن يضيء نفسه بنوره وأن يعتنق مبادئه ومناهجه؛ ادرس الآداب كما تشاء، ولكن لا تنس العلم الحديث، ولا يجب أن تخلو مكتبتك - إلى جانب شكسبير وشوبنهور - من كونت ودارون وفرويد وماركس وإنجلز، لتكن لك حماسة أهل الدين، ولكن ينبغي أن تذكروا لكل عصر أنبياءه؛ وأن أنبياء هذا العصر هم العلماء!»
هذه الأفكار والمبادئ تلقاها البطل الثاني للسكرية، عن أستاذه عدلي كريم رئيس تحرير مجلة «الإنسان الجديد»، وسرعان ما آمن بها، واستقرت جذورها في أعماقه، واتخذ منها شعاره القومي والإنساني في معركة المصير؛ ولقد كان أحمد شوكت معجبا بخاله كمال، ككاتب يمثل الطبقة المثقفة في جيله، ولكنه يتلقى من زميلته سوسن حماد - الصحفية المستنيرة التي أصبحت فيما بعد شريكة حياته - يتلقى من نقدها الموضوعي لموقف كمال الثقافي، ما يضيف إلى وجوده الفكري مزيدا من اللحظات المضيئة؛ إن كمال الكاتب، من خلال المنظار النقدي لسوسن: «واحد من الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقيا؛ إنه يكتب كثيرا عن الحقائق القديمة: الروح؛ المطلق؛ نظرية المعرفة، هذا جميل، ولكنه - فيما عدا المتعة الذهنية والترف الفكري - لا يفضي إلى غاية! ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف، وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم، والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر. الإنسانية في معركة متواصلة، والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس المجاهدين، أما وثبة الحياة فلندعها لبرجسون وحده؛ عندما يكون الإنسان متألما يركز اهتمامه في إزالة أسباب الألم، مجتمعنا متألم جدا، فيجب أن نزيل الألم قبل كل شيء؛ ولنا بعد ذلك أن نلهو وأن نتفلسف!»
هذه اللحظات المضيئة التي تصنعها الكلمة الموجهة، تبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره ... إنها تمثل دورا قياديا بالنسبة إلى المحيط الفكري للمجموع القارئ. ونجيب محفوظ لا يقتصر على الواقعية الإيحائية لإبراز مثل هذا الموقف الالتزامي، ولكنه يجسم عملية العرض بمجموعة من الأحداث المتشابكة، التي يربط فيها بين السلوك الداخلي والسلوك الخارجي لشخصياته؛ ومن هنا يمكننا أن نتابع خطوات أحمد شوكت - النموذج الصاعد للجيل الذي مهد لثورتنا الأخيرة - وهو يشق طريقه إلى هدف محدد، تقوده أضواء باهرة من الإيمان بقيم جديدة، عماده التطلع إلى حياة أفضل!
Неизвестная страница